الحوارات يكتب: ماذا يعني النصر أو الهزيمة في المواجهة الأميركية –الإيرانية؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.منذر الحوارات


لا يزال التوتر الأميركي الإيراني يتصدّر المشهد الدولي، فكل جولة مفاوضات تنتهي دون اختراق حاسم تقرّب المنطقة خطوة إضافية من حافة المواجهة، جولتان تفاوضيتان لم تُؤديا إلى نتائج حاسمة، ما جعل خيار الصدام العسكري حاضراً بقوة في الحسابات السياسية.
 

دخل المفاوض الإيراني عباس عرقجي هذا المسار وهو يراهن على تفوقه التفاوضي وعلى إمكانية استنزاف خصومه الأميركيين، غير أنه اصطدم سريعاً بسقف زمني مغلق وبشروط أميركية صارمة، لم تُتح له مساحة المناورة المعتادة، كما بدت محاولات الإغراء الاقتصادي، المصمّمة على قياس مزاج الرئيس الأميركي، بلا جدوى، الرسالة الأميركية كانت واضحة: القبول بالشروط ضمن المهلة المحددة أو الذهاب إلى الحرب، وهو ما يشبه طلب الاستسلام.
هذا الواقع ولّد قناعة داخل الدوائر الإيرانية بأن القبول بالشروط لا يعني تنازلاً تفاوضياً فحسب، بل تهديداً مباشراً لتماسك النظام ومشروعيته الداخلية، من هنا، بدأ خيار المواجهة يُطرح كاحتمال واقعي، وهو ما انعكس في تصعيد الخطاب الإيراني بتهديدات غير مسبوقة باستهداف البوارج الأميركية وكسر الهيبة الأميركية.
هنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا يعني أن تنجح إيران، بصمودها أو بضربة نوعية، في كسر صورة الردع الأميركي؟ وفي المقابل، ماذا يعني انتصار الولايات المتحدة الحاسم في حربها على إيران؟
نحن أمام اختبار إستراتيجي يتجاوز حدود الأزمة الثنائية، واشنطن تحاول فرض انتصار بلا حرب عبر التهديد والحشد العسكري ضمن زمن تفاوضي محدود، بينما تحاول طهران استخدام أدوات الردع والاقتصاد لكسب الوقت وتقليل كلفة التنازلات، ومع تعثر هذه الأدوات، بات الطرفان أقرب إلى قرار تاريخي، لهُ ما لهُ من تداعيات.
عسكرياً، من المشكوك فيه أن إيران تمتلك من القدرات ما يمكنها من التفوق على القوة الأميركية،  لكن نجاحها  ولو المحدود  في إلحاق ضربة رمزية كبرى سيؤدي إلى تصدع صورة الردع الأميركي، وتآكل مكانتها كقوة مهيمنة، ويُسرّع الانتقال نحو نظام دولي أكثر تعددية، ويمنح الصين وروسيا هامشاً أوسع لإعادة توزيع النفوذ، كما قد يدفع أوروبا لتسريع استقلالها الإستراتيجي، ويُطلق طاقات قوى عسكرية كبرى كانت الهيمنة الأميركية تكبحها، وفي هذا السيناريو، ستتعزز مكانة إيران كقوة إقليمية وازنة قادرة على إعادة تشكيل توازنات المنطقة.
في المقابل، يبقى السيناريو الأرجح هو نجاح الولايات المتحدة في تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، نجاح كهذا سيمنح واشنطن سيطرة شبه كاملة على مفاصل الطاقة والممرات البحرية، ويقطع إحدى أهم عقد «طريق الحرير» الصيني، ويحرم الصين من مصدر طاقة إستراتيجي منخفض الكلفة، خصوصاً بعد خسارة فنزويلا الحليف النفطي والاقتصادي الموثوق. 
هذا السيناريو هو ما يسعى إليه الرئيس الأميركي قبل زيارته المرتقبة إلى الصين في 31 آذار، فذهابه إلى بكين وهو منتشٍ بنصر على إيران، بعد تطويع فنزويلا، وبسط السيطرة على ممر الشمال، سيضعه في موقع من يفرض الشروط على الرئيس شي، بينما ذهابه متعثراً سيُقرأ في بكين كمؤشر على حدود القوة الأميركية، ما يُسرّع اندفاع الصين نحو نظام دولي أكثر تعددية وأقل خضوعاً للإملاءات الأميركية.
في كل الأحوال، يبقى الإقليم الحلقة الأضعف، دول الخليج مهددة باضطراب صادرات النفط في حال إغلاق مضيق هرمز، والقواعد الأميركية فيها تقع ضمن مدى استهداف الصواريخ الإيرانية، أما الأردن، ورغم عدم كونه طرفاً في الصراع، فإنه يواجه خطاباً إيرانياً متصاعداً وتهديدات غير مباشرة من مليشيات محيطة  به، ما يجعله عرضة لمحاولات خلط أوراق تمس استقراره وأمنه.
الخطر الأكبر لا يكمن في اندلاع الحرب بحد ذاته، بل في طبيعتها ونتائجها، فإذا شعر النظام الإيراني بأن سقوطه بات وشيكاً، فقد يلجأ إلى سياسة «عليّ وعلى أعدائي»، موسّعاً رقعة الصراع، وفي المقابل، قد تلجأ إسرائيل إلى ضربة استباقية تجرّ الجميع إلى مواجهة أوسع.
نحن، إذن، لسنا أمام مواجهة محدودة، بل أمام لحظة تأسيسية: إما إعادة تثبيت الهيمنة الأميركية بالقوة، أو تعثرها وتسارع إعادة توزيع القوة عالمياً، وما يجري لا يتعلق ببرنامج نووي أو صاروخي فقط، ولا بحدود الإقليم، بل باختبار مفتوح لمستقبل الهيمنة وشكل النظام الدولي في العقود المقبلة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية