شبلي يكتب: قراءة في المشهد الدولي: عصر "القوة في خدمة الصفقة" وتداعياته على الشرق الأوسط والعالم

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

يشهد عالم اليوم حالة حراك سياسي عسكري أمني واقتصادي غير مسبوق يكاد سببه ناجم عن المواقف الأمريكية المترددة وغير الثابتة تجاه عدد من القضايا والازمات الدولية ... حيث تشابك العلاقات مع دول الاتحاد الاوروبي وتحللها بذات الوقت، الأمر الذي فسره تصريحات عديدة جاءت على لسان رئيس الوزراء البريطاني وأحاديث الرئيس الفرنسي وكذلك الالماني عن رفضهم البقاء في حالة الخضوع للجانب الامريكي ومواقفه منهم، وإلى جانب ذلك يبدو أن تصاعد أزمة البرنامج النووي الإيراني أسهم في تحشيد القوة العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الاوسط والتلويح بتوجيه ضربات عسكرية مهلكة للنظام الايراني بالتعاون مع إسرائيل، ومن ثم العودة ومنح إيران مهلة لتفيذ الطلبات الامريكية التي تتوافق مع المخاوف الإسرائيلية، وهكذا دواليك والازمة مستمرة. وهناك الازمة التي أخذت تتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية مع كل من الصين وروسيا اللذان لم يخفيا موقفهما من دعم إيران عسكرياً ولوجستياً، 

وهناك أزمات أخرى أدخلتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، وهذا أن دل على شيء فإنه يدل على الجبروت أو الشعور بالسطوة على العالم واستهداف كل من لا يرضخ أو يدفع كي يحصل على الرضا الأمريكي. 

واستناداً لهذا كله بات للرئيس ترامب مبدأ ينظر من خلاله إلى دول العالم نظرة دونية خاصة تلك الأقل قدرات اقتصادية وقوة عسكرياً، وأمور أخرى برز لكثير من المحللين والمتابعين حاجة لتوضيحها وسبر أغوارها في أسلوب مقنع.

حسناً، لنعود ونصيغ السؤال العميق عبر القول ما هي أوجه السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب؟ وهذا التساؤل يصف حالة من التردد وعدم الوضوح في المواقف الأمريكية تجاه عدة ملفات دولية. وهذا هو ما يشغل أي مثقف ومتابع للشأن الدولي، ويبحث عن تحليل مقنع يفسر هذه الظاهرة.

ومن أجل التعرف على كل ما تقدم لا بد من التوقف عند:

  1. التقارير التي أفصح عنها مؤتمر ميونخ للأمن وتحول النظام العالمي في عهد الرئيس الأمريكي دونالدترامب ، حيث نعتقد بأنه مصدر موثوق ومهم ويغطي الأزمة مع أوروبا وغرينلاند والتساؤل عن المادة الخامسة من حلف الناتو Politico ، وأيضاً يغطي استياء أوروبا المتزايد والشعور بصراع قوى مع الإدارة الأمريكية .
  2. بخصوص إيران، هناك نتائج محدثة من Reuters عن استعداد إيران لمقترح مضاد وتهديدات ترامب بضربات عسكرية ، وتقرير عن مزاعم مسؤول CIA سابق بقرب شن ضربة . هذه تفيد في تغطية التلويح بالضربات ثم المهلة.
  3. بالنسبة للتحالف المضاد، تقرير CSIS عن محور CRINK (الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية) يوثق الدعم العسكري واللوجستي ، وتقرير Daily Trust عن الاتفاق الثلاثي بين الصين وروسيا وإيران  يدعم فكرة التصاعد مع هذه الدول.
  4. تحليل The Atlantic يقدم نقداً عميقاً لسياسة ترامب الخارجية ويصفها بأنها "أسوأ من تغيير الأنظمة" بسبب التقلب وغياب الاستراتيجية . وهذا التحليل نجده يتوافق مع وصف حالة التردد وعدم الوضوح. 
  5. تقرير FPRI عن أفريقيا والمعادن الاستراتيجية يظهر النظرة الأمريكية للعالم كمصدر للموارد ، ما يدعم فكرة النظرة "الدونية" التي ذكرها المستخدم.
  6. تقرير Conversation عن أزمة غرينلاند ومعضلة أوروبا  مفيد أيضاً. 
  7. تقرير Yeni Safak عن تصريحات السفير الأمريكي  قد يضيف بعداً آخر للتوسعية الأمريكية.

سنحاول تنظيم الإجابة بشكل يغطي جميع نقاط الاستفهام السابقة: أولاً، جوهر المفارقة في سياسة الرئيس ترامب بين القوة والتردد. ثانياً، التعامل الأمريكي مع دول الاتحاد الأوروبي كدراسة حالة للتحول من الحليف إلى الخصم. ثالثاً، الملف الإيراني كنموذج للعقاب والمكافأة. رابعاً، تشكل المحور المضاد كرد فعل طبيعي. خامسا: تقديم تفسير شامل يجمع خيوط هذه السياسة.

لتحليل هذا المشهد المتشابك، لا بد من تفكيكه إلى عناصره الأساسية، ثم محاولة تقديم رؤية تركيبية تفسر هذه الظاهرة ووفق الآتي:

 

  1. أوروبا: من حليف تاريخي إلى "شريك استراتيجي" في موضع مساءلة: ما يمكن وصفه من رفض أوروبي للبقاء في حالة خضوع، هو تتويج لصدمة قوية أصابت العمود الفقري للتحالف عبر الأطلسي. إذ لم تعد الخلافات مقتصرة على ملفات تجارية أو التزامات مالية لحلف الناتو، بل انتقلت إلى جوهر السيادة الوطنية، وقد تبين ذلك من خلال:
  • الصدمة الأساسية: لم يعد التهديد الأمريكي لأوروبا يقتصر على فرض رسوم جمركية، بل تجاوز ذلك إلى المطالبة بضم أراضٍ تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو (غرينلاند)، وإن هذا السيناريو، الذي كان يُعتقد أنه مستبعد، قلب مفهوم "التهديد الوجودي" رأساً على عقب. فلم تعد واشنطن الحامي الأمني فحسب، بل أصبحت مصدر تهديد محتمل.
  • اختلاف الفلسفة: الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لم تعد تخفي نظرتها لأوروبا. فهي ترى أن على القارة العجوز أن "تعتمد على نفسها"، وتصف سياساتها الأوروبية في ملفات الهجرة بأنها تهديد وجودي للحضارة الغربية . هذا الموقف، الذي عبر عنه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بصراحة في مؤتمر ميونخ للأمن الذي عقد منتصف شباط/ فبراير الجاري، جعل قادة أوروبا يمرون بمراحل الحزن الخمس (الإنكار ، والغضب ، والمساومة ، والاكتئاب ، والتقبّل) ، وعندما وصلوا أخيراً إلى مرحلة "التقبل" كان عليهم بناء سياسة دفاعية وأمنية تأخذ في الحسبان احتمال انكشاف الوعاء الأمني الأمريكي . لكن الرد الأوروبي لم يعد مجرد دبلوماسية منزعجة، بل بدأ يتحول نحو البحث عن آليات للردع الاقتصادي والتكنولوجي، مثل استخدام "أداة مكافحة الإكراه" .
  1. إيران: استراتيجية "العقاب والمكافأة" المتزامنة: في الملف الإيراني، يمكن تلمس أوضح تجليات التردد أو "الانتهازية التكتيكية" إذ أن ما يحدث ليس تردداً بقدر ما هو استخدام متزامن لأدوات الردع والحوافز، وهي:
  • التهديد العسكري: يتم تحشيد القوة وتصعيد اللهجة (مع وجود تقارير عن خطط لضربات محدودة أو حتى السعي لتغيير النظام) بهدف الوصول إلى اتفاق يلبي الحد الأقصى من المطالب الأمريكية، بما في ذلك إنهاء برنامج التخصيب ودعم الجماعات الإقليمية . المهلة الممنوحة (10-15 يوماً) هي أسلوب ضغط نفسي معروف.
  • القناة الدبلوماسية: في الوقت نفسه، تجري مفاوضات غير مباشرة في جنيف، ويتم مناقشة "مبادئ توجيهية" لاتفاق محتمل . هنا تكمن المفارقة: التهديد بالضربة ليس بديلاً عن الدبلوماسية، بل هو جزء منها. هو محاولة للوصول إلى أفضل صفقة ممكنة من موقع قوة، مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة على الطاولة في نفس الوقت.
  1. الصين وروسيا: تشكل "محور المقاومة" الجديد (CRINK)

هنا نصل إلى النتيجة الطبيعية للسياسة الأمريكية السابقة. إن الضغط المتزامن على هذه القوى لم يؤدِ إلى تراجعها، بل إلى تعزيز تحالفها الضمني. لم تعد موسكو وبكين وإيران مجرد أطراف منعزلة، بل أصبحت تشكل ما يسمى بمحور ( CRINK) الذي يضم الصين، روسيا، إيران، كوريا الشمالية.

  • تحول التحالف إلى تكامل: لم يكن هذا التجمع مجرد تقارب تكتيكي بل أصبح تحالفاً استراتيجياً له أركانه. فروسيا توفر ساحة اختبار عسكري للأسلحة الإيرانية وكوريا الشمالية، وتحصل على ذخيرة حيوية . الصين توفر شريان الحياة الاقتصادي وشبكة الأمان التجارية والمالية، ليس فقط لموسكو ولكن أيضاً لطهران . هذا المحور لم يعد يدور فقط حول معاداة أمريكا، بل حول بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب تكون فيه كلمته مسموعة.
  • الردع المتبادل: دعم الصين وروسيا العلني واللوجستي لإيران يغير قواعد اللعبة. أي ضربة أمريكية لإيران لم تعد مجرد مواجهة مع طهران، بل قد تجر واشنطن إلى مواجهة مع قوى نووية كبرى، وهو ما يفسر جزئياً التردد الأمريكي في اتخاذ القرار النهائي بالهجوم.

 

قراءة في المشهد: لماذا هذا "الجبروت" و"التردد" في آن؟

إذا أردنا تفسير هذه السياسة التي تبدو متناقضة، يمكننا النظر إليها من خلال عدسة واحدة "صفقة ترامب" الشاملة. لقد تم استبدال النظام العالمي القائم على قواعد ومؤسسات متعددة الأطراف، بنظام يقوم على "القوة في خدمة الصفقة".

  • الهدف: ليس بناء نظام عالمي جديد متوازن، بل إعادة ترتيب الأولويات العالمية بحيث تخدم المصالح الأمريكية الضيقة (الأمنية، الاقتصادية، التجارية) بأقل تكلفة ممكنة . النظرة إلى العالم هي نظرة "صفقات": أوروبا يجب أن تدفع ثمن دفاعها، إيران يجب أن تدفع ثمن رفع العقوبات بتفكيك برنامجها، الصين وروسيا يجب أن تدفعا ثمن استمرار العلاقات التجارية بالتراجع عن دعم الخصوم.
  • أدوات التنفيذ: هنا يأتي مزيج "الجبروت والتردد". الجبروت (التهديد بالضم، فرض الرسوم، التلويح بالحرب) هو الأداة لخلق حالة من عدم التوازن ورفع سقف المخاطر على الطرف الآخر. أما "التردد" أو المهلة، فهو مساحة التفاوض التي يُتوقع للطرف الآخر أن يقدم فيها تنازلاته. إنها استراتيجية "الرجل المجنون" التي تعتمد على جعل الخصم غير قادر على توقع الخطوة التالية، مما يدفعه للتفاوض لتجنب الأسوأ .
  • الثمن الباهظ: هذه الاستراتيجية، حتى لو حققت بعض المكاسب التكتيكية قصيرة المدى، تدفع ثمناً استراتيجياً باهظاً. الثمن هو تآكل الثقة بين الحلفاء القدامى، مما يدفعهم للبحث عن استقلالية استراتيجية قد تستغرق سنوات لتحقيقها. والثمن الآخر هو دفع الخصوم إلى أحضان بعضهم البعض، مكونين تحالفات قوية كان يمكن تجنبها.

الخلاصة:
ما نشهده ليس مجرد تردد، بل هو مشهد "هدم متعمد" للنظام العالمي القديم دون وجود خريطة طريق واضحة لما سيحل محله، سوى منطق القوة والصفقات . هذا الخلق للفراغ وعدم اليقين هو، في حد ذاته، أداة ضغط. لكنها أداة خطيرة، لأنها تخلق عالماً أكثر فوضوية، تتعدد فيه مراكز القوى، وتصبح فيه التقديرات الخاطئة ممكنة، مما قد يقود إلى صراعات لم تكن في الحسبان. إنه عالم أصبحت فيه "القوة وحدها هي التي تصنع الحق"، وهذا ما يفسر شعور الدول بالخضوع أو التمرد على حد سواء.

أما ما يتعلق بدول الشرق الاوسط الاخرى كتركيا والدول العربية وتحديداً القضية الفلسطينية والخلاف الباكستاني الافغاني، وأي طرف له مساس بتلك الازمات، وهذا يعد توسع طبيعي للنقاش ليشمل مناطق إضافية متأثرة بالسياسة الأمريكية. أي أن الأمر يتطلب البحث عن معلومات محدثة حول هذه القضايا، مع التركيز على:

"مجلس السلام": إطار جديد بثمن باهظ وتناقضات داخلية

في محاولة لفرض رؤيته لحل الأزمة في غزة، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبادرة "مجلس السلام" (Board of Peace) . وقد انخرطت فيه دول عربية وإسلامية رئيسية، لكن هذا الانخراط يحمل في طياته تناقضات جوهرية تعكس مدى تعقيد المشهد:

  • الأعضاء المؤسسون والانقسام الداخلي: يضم المجلس ثماني دول ذات أغلبية مسلمة هي: المملكة العربية السعودية، تركيا، مصر، الأردن، إندونيسيا، باكستان، قطر، والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى إسرائيل .وقد أعلنت هذه الدول انضمامها بشكل جماعي، لكن سرعان ما ظهر الخلاف. فبينما يتجاهل ميثاق المجلس المقترح قيام دولة فلسطينية، أعلنت الكتلة التي تقودها السعودية صراحة أن مشاركتها تهدف إلى "الدفع نحو سلام عادل ودائم يقوم على حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم" . هذا يضع المجلس على صفيح ساخن منذ لحظة انطلاقه.
  • نموذج التمويل المثير للجدل: يعتمد المجلس على نموذج تمويل غير تقليدي؛ حيث يمكن للدول ضمان مقعد دائم من خلال المساهمة بمليار دولار نقدًا .وقد أعلن الرئيس ترامب عن تعهدات بقيمة 10 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة، مع مساهمات من قطر والسعودية والإمارات .
  • قوة عسكرية دولية: كجزء من الخطة، يتم تشكيل " قوة دولية للاستقرار"  (International Stabilization Force) . وقد أعلنت إندونيسيا استعدادها لإرسال 8000 جندي، وهو ما يمثل قرابة نصف القوة المطلوبة البالغة 20,000 جندي، كما عرضت المغرب إرسال قوات شرطة . لكن مشاركة إسرائيل في المجلس مشروطة بشرط قاسٍ: نزع سلاح حماس، وهو ما يعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي شرطًا أساسيًا للمرحلة الثانية من الخطة .

فلسطين والرفض العربي الموحد لتصريحات أمريكية استفزازية

إذا كان "مجلس السلام" يمثل قناة للتعاون المشروط، فإن الرد العربي والإسلامي على تصريحات المسؤولين الأمريكيين أظهر حالة من التوحد والرفض القاطع لأي مساس بالثوابت:

  • تصريحات سفير أمريكا تستنفر المنطقة: أثارت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل (مايك هاكابي) التي ألمح فيها إلى قبول سيطرة إسرائيل على أراضٍ عربية، بما فيها الضفة الغربية، عاصفة من الغضب .فقد أصدرت وزارات خارجية 14 دولة عربية وإسلامية (بما فيها الإمارات، مصر، الأردن، السعودية، تركيا، باكستان، قطر، الكويت، عُمان، البحرين، لبنان، سوريا، ودولة فلسطين) بيانًا مشتركًا عبر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، أعربت فيه عن "إدانتها الشديدة وقلقها البالغ" تجاه هذه التصريحات، معتبرة إياها "انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي" .
  • التمسك بحل الدولتين: شدد البيان على أن هذه التصريحات "تتناقض بشكل مباشر مع الرؤية التي طرحها الرئيس ترامب والخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة"، وأكد مجددًا الرفض القاطع لضم الضفة الغربية، والتأكيد على حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في إقامة دولتهم المستقلة على حدود 4 يونيو 1967 . هذا الموقف الجماعي أظهر أن الدول العربية، رغم انخراطها في مبادرات أمريكية، لن تتنازل عن خطوطها الحمراء.

باكستان وأفغانستان: حقل ألغام من التوترات القديمة والجديدة

أما على الجبهة الشرقية، فالعلاقة الأمريكية مع باكستان وأفغانستان تظهر تناقضًا صارخًا آخر: فبينما تلوح واشنطن بالعصا من جهة، فإنها تمد يد التعاون الحذر من جهة أخرى.

  • من التهديد بالتدخل إلى وصف "الشريك المهم": في مطلع فبراير، أعرب وزير الدفاع الباكستاني عن قلقه إزاء بيان للبيت الأبيض يفيد بمنح الجيش الأمريكي سلطة استهداف "ملاذات آمنة" في باكستان وأفغانستان . لكن بعد أيام قليلة فقط، وصف مسؤول أمريكي كبير (مساعد وزيرة الخارجية لشؤون جنوب ووسط آسيا) باكستان بأنها "شريك مهم" في المنطقة، مشددًا على التعاون المتزايد في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والطاقة والزراعة . هذا التناقض يعكس حالة الانقسام داخل الإدارة الأمريكية تجاه إسلام آباد.
  • دراسة أمريكية تحذر من التهديدات: في سياق متصل، حذرت دراسة صادرة عن معهد السلام الأمريكي (US Institute of Peace) من أن الحركات المتطرفة تكتسب قوة في أفغانستان وباكستان، وتجد "فرصًا جديدة للتنظيم والتخطيط" . الدراسة دعت واشنطن إلى تجاوز "صدمة" الانسحاب من أفغانستان والتعاون مع باكستان رغم "المذاق السيئ" تجاهها، مشيرة إلى أن "هناك حقائق ثابتة لا يمكن تغييرها، من بينها أن باكستان هي الجارة لأفغانستان، والتي تشكل حاليًا ملاذًا آمنًا للجماعات الإرهابية" .
  • دور الوساطة التركية: في خضم هذه التوترات، برزت تركيا كلاعب دبلوماسي نشط. فقد عرض الرئيس أردوغان العمل كـ"وسيط" بين إيران والولايات المتحدة لنزع فتيل الأزمة . كما تقوم تركيا مع قطر وسلطنة عمان والسعودية بجهود حثيثة مع واشنطن وطهران لحثهما على ضبط النفس ومنع التصعيد الذي قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها والتأثير على أسواق الطاقة .

تحليل المشهد: لعبة الأمم في ساحة القوى الكبرى

ما نراه إذن هو مشهد معقد لا يمكن اختزاله في علاقة ثنائية مع واشنطن، بل هو شبكة متشابكة من المصالح والتحالفات والصراعات:

  1. الانخراط الحذر في المبادرات الأمريكية: الدول العربية والإسلامية، ممثلة في "مجلس السلام"، تختبر حدود التعاون مع الإدارة الأمريكية. هي تشارك، لكنها تضع شروطها (مثل حل الدولتين) وتحاول توجيه المسار بما يخدم مصالحها، في محاولة لاستباق القرارات الأمريكية التي قد تضر بها.
  2. الخطوط الحمراء الجماعية: عندما تمس التصريحات الأمريكية السيادة أو الحقوق الوطنية (كما حدث مع تصريحات السفير هاكابي)، يتحول الموقف من التعاون المشروط إلى الرفض الجماعي والصوت الواحد. هذا يشكل رسالة قوية مفادها أن التحالفات العربية لم تعد تابعة بشكل أعمى.
  3. التوازن في علاقة معقدة: باكستان تقف على حافة الهاوية، تارة تواجه تهديدات أمريكية وتارة تسمع كلمات الإشادة. علاقتها بأفغانستان (خاصة مع حكم طالبان) تجعلها ورقة ضغط بيد واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تجعلها هدفًا للضغوط. دورها في محاربة الإرهاب لا يزال مطلوبًا، لكن الثقة مفقودة.
  4. بروز وسطاء إقليميين: تركيا، وبدرجة أقل قطر وعمان، تؤكد دورها كقوى وساطة لا يمكن تجاهلها. هي تتحرك في الفراغ الذي تتركه السياسة الأمريكية المتقلبة، وتقدم نفسها كحلقة وصل ضرورية لتهدئة الأزمات.

إنها حقبة جديدة من العلاقات الدولية في المنطقة، حيث لم يعد الولاء لأمريكا مطلقًا، وأصبحت الدول الإقليمية تتحرك في فضاءات متعددة، تبني تحالفاتها، وتدير صراعاتها، وتحاول استثمار التناقضات الأمريكية لصالحها.

 

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية