أبو رمان يكتب: "مشروع نتنياهو" ودراما رمضان

{title}
أخبار الأردن -

محمد أبو رمان

لم تمضِ سوى أيامٍ قليلة على بداية شهر رمضان المبارك، حتى أصبحت الدراما التلفزيونية محطَّ اهتمامٍ ونقاشٍ سياسي وشعبي، بل أيضاً مصدراً من مصادر التوتّر الإضافي بين إسرائيل ومصر، بسبب أحد المسلسلات المصرية، فضلاً عن التحوّل الهائل في الدراما السورية، وعديد من المسلسلات التي تتناول بصورة جليّة جرائم نظام الأسد وما كان يحدث فيه من ويلاتٍ وكوارث بحقّ الإنسانية.

"صحاب الأرض" (مسلسل مصري من بطولة منّة شلبي وإياد نصّار) يتحدث عن مأساة غزّة من خلال تداخل عديدٍ من القصص الإنسانية المروّعة، لكن المخرج بيتر ميمي أظهر قدراته الفنية منذ اللحظة الأولى عبر صورٍ واقعية من غزّة، وتصوير التفجيرات والمسيّرات والقتل المجّاني بطريقةٍ إبداعية. ولعلّ أهم ما في هذا المسلسل أنّه يفتح الطريق واسعاً أمام الكتّاب والروائيين والفنانين والمثقفين العرب لتقديم الرواية الحقيقية لجرائم حرب الإبادة من خلال الفن والدراما، وتخليد قصة هذا الشعب وصموده وتحدّيه لآلةٍ همجيةٍ بربرية.

العمل جريء، ويتجاوز الجدل العقيم حول "7 أكتوبر" وجدوى المقاومة، ويكرّس الرسالة نحو فضح الجريمة والقتلة، والفصل الكامل بين مساري النقاشات والخلافات السياسية الداخلية من جهة، ومسار المواجهة الإنسانية والفنية والأخلاقية مع ماكينة العدوان البربري والجرائم ضدّ الإنسانية، وما هو بديهي من حقّ الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم وحياتهم وحقهم في تقرير المصير. ثم إنّ ما يحدث في الضفة الغربية اليوم يؤكد أنّ السياسات الإسرائيلية لا تنتظر إذناً أو مبرّراً لتنفيذ استراتيجيتها الرئيسية منذ تأسيس إسرائيل، وهي وضع الفلسطينيين بين خيارين رئيسين: الهجرة أو الموت.

من المحزن أن يكون مسلسل "صحاب الأرض" يتيماً في الرسالة الفنية عن جرائم غزّة، على الأقل في المدى الذي رصده كاتب هذه السطور، لكنّه ينبّهنا إلى أهمية هذا المجال (الفن، الرواية، الثقافة) في بناء رسالة إعلامية فلسطينية وعربية وإسلامية، بل إنسانية أيضاً؛ وهذا جزء من أهمية القوة الناعمة وتكسير الروايات الإسرائيلية والصهيونية والأميركية التي تستند إلى ماكينات إعلامية غربية هائلة.

على صعيد الدراما السورية تبرز أعمال درامية تسلّط الضوء على حقبة الأسد، منها مسلسل من بطولة جمال سليمان "الخروج إلى البئر" وتأليف سامر رضوان (مؤلف "ولادة من الخاصرة" و"ابتسم أيها الجنرال")، ومسلسل "سعادة المجنون" لعابد فهد، الذي يصوّر شبكة الفساد وعلاقتها بالسلطة، وأخيراً "القيصر: لا مكان ولا زمان"، الذي يتناول أيضاً وقائع التعذيب في سجن صيدنايا وكوارثه استناداً إلى روايات حقيقية وشهادات من ضحايا عديدين ومشاركين في حقبة الثورة والحرب السورية الداخلية.

الرسالة الذكية الخفيّة وراء هذه المسلسلات، وإن لم تكن مقصودة بذاتها، أكثر أهمية من غيرها، وتتمثّل في مساحة الحرية السياسية التي تتمتع بها، وحجم الانتقاد والنقد والإدانة لممارسات الأنظمة السلطوية، مثل التجسّس والتعذيب وقمع الحريات ومصادرة الديمقراطية وحقوق الإنسان… إلخ. وهي ممارسات، وإن سجّل نظام الأسد فيها رقماً قياسياً تاريخياً من حيث حجم التعذيب والإذلال وتشابك الفساد بالسلطة، وتداخل الأجهزة الأمنية بالمؤسسات السياسية عبر ديناميكيات معقّدة ومترابطة، فإنّ السلطوية والاستبداد ليسا مقتصرين عليه، بل يمثّلان سمةً رئيسية مشتركة لأغلب النظم العربية، وإنْ تفاوتت النِّسب.

إذاً، يؤكّد هذا النقد لهذا النوع من السلطة والأنظمة أنّ القراءة الأخيرة لسقوط نظام الأسد هي انتصارٌ لفكرة الحرية في الثورة السورية، حتى وإن جاء هذا متأخراً، ولم يكن بطريقة سلمية؛ فالشعب في المحصلة خرج من القمقم وتنفّس الحرية، وهو ما قد يكون، مرّة أخرى، ملهماً لغيره من الشعوب بأنّ الحق في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والكرامة البشرية لم ينتهِ بخسارة الجولة الأولى من الربيع العربي، بل هو مسارٌ طويل ومحطاتٌ عديدة، كما حدث في أغلب التجارب العالمية السابقة.

ما علاقة نتنياهو (في عنوان المقال) بهذا كله؟ أتذكرون تبشيره بتغييرٍ ثقافي في العالم العربي، بمعنى الاستسلام والتسليم بالهيمنة الإسرائيلية وإلغاء مشروع المقاومة والكفاح؟ أول رياح التغيير المنشود عكستها دراما رمضان العام الحالي، عبر هذه الرسائل التي تؤكّد أنّ نتنياهو لا يقوم بأكثر من إيجاد بيئةٍ أكثر وعياً وإصراراً على المواجهة بكلّ الأدوات.



 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية