الفضيل يكتب: الجنوب اليمني رؤية مستقبلية

{title}
أخبار الأردن -

 

د. زيد بن علي الفضيل

دعا مركز الخليج للأبحاث الأسبوع الفائت مجموعة واسعة من النخب الجنوبية للمشاركة في ورشة عمل معمقة بعنوان (نحو رؤية شاملة لمستقبل جنوب اليمن) وتضمنت النقاشات المستفيضة على مدار أربعة أيام عددا من العناوين التي ابتدأت بتسليط الضوء حول جذور وتاريخ وواقع القضية الجنوبية، والرؤى والخيارات السياسية لمستقبل الجنوب، والعدالة والمصالحة وبناء الثقة، وأخيرا دور المجتمع المدني والمرأة والشباب. وحتما فتأتي استضافة هذه النخب في إطار تبني المملكة العربية السعودية لطرح حلول عادلة للقضية الجنوبية بوجه عام، مع الإشارة إلى الدور الحيوي الذي تقوم به السعودية إزاء اليمن منذ عقود طويلة.

في هذا السياق فلعلي ككاتب متخصص في شؤون اليمن كنت من أوائل من سلط الضوء على مظلومية الجنوب اليمني الذي سلم دولته اختيارا، وأعلن وحدة اندماجية مع الجمهورية العربية اليمنية تلبية لمختلف الدعوات التي كانت تنادي بالوحدة بين الشطرين، وظنا من قيادته بأن ذلك سيزيد من قوة اليمن وبخاصة حين يتم دمج التجربتين الإداريتين، لكن ما حدث كان مغايرا للتطلعات التي أرادها الشعبان وحلم بها عديد من القيادات في الشطرين، حيث تعرض كثير من القيادات في الحزب الاشتراكي لعمليات اغتيال واسعة، وتم إجهاض حكومة المهندس حيدر العطاس، وذهب اليمن جراء سياسة الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح وحلفائه إلى الفراغ، من واقع استهدافه تعطيل أعمال حكومة العطاس ليمنع من تزايد شعبيته وشعبية حزبه السياسي بين أرجاء الشماليين.

ثم كان أن تعرض الجنوبيين بوجه عام إلى التهميش من بعد أحداث حرب 94، وتعرضوا للإقصاء، بل وتم احتكار كثير من المشاريع الاقتصادية في الجنوب لعوائل وشخصيات متنفذة في السلطة في حينه، وهو ما جعل الجنوبيين ينتفضون عبر احتجاجاتهم السلمية والتي قادها "الحراك الجنوبي السلمي" عام 2007م، واستمر ذلك حتى اندلاع ما عرف باسم ثورة الربيع العربي في العاصمة صنعاء 2011م، والتي أدت إلى اسقاط الرئيس صالح، وابتداء حقبة جديدة وفق ما نصت عليه المبادرة الخليجية في وقته لحل الخلاف اليمني، وابتدأ اليمنيون حوارا مفتوحا كان أحد ركائزه الرئيسة مناقشة القضية الجنوبية والعمل على إنصافها. 

واليوم تعود القضية الجنوبية من جديد إلى ساحة النقاش السياسي، غير أنها في هذه المرة تأخذ طابعا إقليميا ودوليا، ومع أهمية ذلك على الصعيد السياسي لكن خطورته كبيرة، ذلك أن التدخل الخارجي يتزامن مع بلوغ الجنوبيين حالة كبيرة من التشتت والتفرقة، وبالتالي فإن أي تدخل خارجي سيستهدف تحقيق مصالحه الذاتية دون الاهتمام بالمصالح الكبرى للجنوبيين، وعليه فإن أي تفتيت للحمة الوطنية وتقسيم الجنوب إلى دول متعددة وفق ما كان الأمر عليه خلال فترة الاستعمار البريطاني، سيصب في مصالح تلك الدول، ولاسيما دولة إسرائيل التي تستهدف إيجاد مقر لها في جنوب شبه الجزيرة العربية لتتحكم في المنطقة بأكملها.

أسوق هذا الأمر اليوم ليس لرفض المطالب الجنوبية باستعادة دولتهم، أو منعا لتحقيق احتياجاتهم الدستورية، وإنما للتأكيد على خطورة المرحلة الحالية وشدة احتقانها سياسيا وأمنيا، ذلك أن الوطن العربي بجملته في أضعف حالاته السياسية، ويتعرض لحملة تستهدف تفكيكه وتجزئة عديد من دوله الوطنية، مع التأكيد بأن الجنوبيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعرضوا للتهميش في اليمن خلال الحكم السابق، حيث شاركهم العديد من المحافظات الشمالية كالجوف ومأرب وصعدة، وصولا إلى بعض المحافظات المحيطة بصنعاء، وغيرها.

من هذا المنطلق أجد بأن الحكمة اليمانية اليوم تفرض أن يتسامى الفرقاء على كثير من خلافاتهم، ويعملوا على تصفيتها بالشكل الذي ينعكس إيجابا على تنمية مجتمعاتهم وتعزيز حالة الاستقرار في الدولة بأكملها، وليس الأمر قاصرا على الجنوبيين بل هو ممتد لكل أنحاء اليمن الذي هو بحاجة إلى أن يصل إلى صيغة تعاقدية جديدة وعادلة تجمع بين أنحائه الواسعة في إطار سياسي يتوافق عليه بحكمة نخبه وأحزابه ومكوناته السياسية والمجتمعية بعيدا عن الاستقواء أو الهيمنة الأحادية المقيتة. فهل إلى ذلك سبيل؟ 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية