حياصات يكتب: حين أصبح لكل فرد رمضانُه الخاص

{title}
أخبار الأردن -

أ.د. علي حياصات
كل من هم من جيلي، أو أكبر أو أصغر بعشرين عاماً وربما أكثر، يتذكرون ابتهال (مولاي إني ببابك قد بسطت يدي…) بصوت سيد النقشبندي وألحان بليغ حمدي. لم يكن مجرد نشيد ديني، بل لحظة جماعية تدخل كل بيت في التوقيت ذاته، فتصنع إحساساً مشتركاً لا يحتاج إلى اتفاق مسبق.
استمعت إليه في أول يوم من رمضان بالامس، فعاد بي الحنين إلى من رحلوا من الأهل والجيران. أدركت أن ما كان يجمعنا لم يكن فقط صلة الدم والجيرة، بل ذاكرة تُصنع معاً دون أن نشعر.
اليوم، حاول أن تبحث عن تلك اللحظة المشتركة. لن تجدها !!!
اصبح لكل فرد شاشته، وسماعته، وخوارزميته التي تفصّل له عالماً خاصاً. الأب على تلفازه، الأم في عالمها الرقمي، الأبناء في فقاعات منفصلة، وكلهم تحت سقف واحد. لم نعد عائلة تجلس معاً، بل أفراداً يتشاركون فقط خدمة الإنترنت.
في زمننا، كانت الفجوة الوحيدة بيننا وبين اهلينا الهاتف الأرضي ثم التلفاز، ومع ذلك كان التلفاز يجمعنا حول شاشة واحدة. حتى الخلاف على القناة (من القناة 3 الى القناة 6) كان جزءاً من الدفء. اليوم لا توجد شاشة واحدة، ولا انتظار مشترك، بل جزر متجاورة.
التكنولوجيا لم تتسلل إلى حياتنا، بل اقتحمتها. قفزت بنا من مجتمع يقوم على التشارك والجيرة والديوان، إلى فردانية رقمية خلال عقدين فقط. لم نسأل ماذا سنفقد. كل دقيقة أمام الشاشة تُسحب من رصيد الذاكرة المشتركة.
المشكلة ليست في الهاتف بالطبع، بل في أننا سمحنا له أن يصبح وسيطاً بيننا وبين بعضنا. نعرف تفاصيل غرباء، بينما تتآكل التفاصيل الصغيرة في بيوتنا. نعلّق ونتفاعل بحماس، ثم نعجز عن حوار حقيقي مع من يجلس إلى جوارنا.
السؤال المؤلم: ماذا سيتذكر الأبناء بعد رحيل الأهل؟ هل سيتذكرون جلسة بلا هواتف؟ حديثاً بلا رسالة واتس اب او اي اشعار اخر يقاطعه؟ أم سيتذكرون أننا كنّا دائماً مشغولين؟
جيلنا يتذكر أصواتاً وروائح ومشاهد عاشها الجميع في اللحظة نفسها. كانت الذكرى ملكاً للعائلة كلها. أما اليوم، فالذكرى مشروع فردي. لكل شخص أرشيفه الخاص، لكن من يملك اللحظة المشتركة؟
في المجتمع الأردني، الذي قام على العائلة الممتدة والجيرة والحيّز العام، يحدث تحول صامت وعميق. لا نفقد العائلة شكلياً، بل نفقدها كخبرة معيشة مشتركة. نعيش في البيت ذاته، لكننا لا نعيش القصة ذاتها.
حين أستمعت الى صوت النقشبندي بالامس، لم يُحرّك لدي الحنين فقط، بل الخوف. الخوف من أن نكون آخر جيل امتلك ذاكرة مشتركة حقيقية، وأن نورّث أبناءنا عالماً مزدحماً بالاتصال، وفقيراً في المعنى.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية