التل يكتب: بين إقصاء النخبة ومرونة المشروع: الإسلام السياسي في مواجهة مفارقة الدولة الدينية
د.مصطفى التل
تقف التجربة الحزبية الإسلامية في الأردن، ممثلةً بجبهة العمل الإسلامي، عند مفترق طرق حاسم.
من جهة، تتعرض لهجمة نقدية من نخبة ليبرالية وعلمانية تتخذ من "الحياد الديني" و"حماية التعددية" شعاراتها، بينما تختفي خلفها رغبة في إقصاء منافس فكري وسياسي قوي.
ومن جهة أخرى، تواجه تفسيراً قانونياً انتقائياً من القائمين على مراكز تنفيذية في الحكومة الأردنية يمنعها من التعبير عن مرجعيتها الإسلامية في اسمها رغم أن الدستور يُعرّف الإسلام كدين للدولة.
هذا الموقع المزدوج الضغط يكشف عن معضلة أعمق: هل يمكن لدولة تعلن هوية دينية رسمية أن تكون ديمقراطية حقيقية إذا منعت مواطنيها من التعبير السياسي المنظم عن نفس هذه الهوية؟!
وهنا لا بد من وقفات :
الوقفة الأولى : تفكيك النقد الليبرالي: من حماية الديمقراطية إلى الوصاية عليها
ينطلق النقد الليبرالي من مسلمة تبدو معقولة: حماية الديمقراطية تتطلب تحييد الدين عن السياسة, لكن التطبيق يكشف عن خلل منهجي عميق.
هذا النقد يرفض تطبيق معايير التقييم نفسها على جميع التيارات, فبينما يُحاكم الحزب الإسلامي على أساس مرجعيته المجردة - حتى لو التزم بالدستور والعملية الديمقراطية - تُعامل الأحزاب ذات المرجعيات الأخرى (ماركسية، قومية، ليبرالية) على أساس سلوكها وممارساتها فقط، رغم أن بعضها يحمل في تراثه الفكري ما قد يكون أكثر استبدادية من أي برنامج إسلامي معاصر.
هذا الانتقاء يكشف أن الخوف ليس من "المرجعية الدينية" بحد ذاتها، بل من خصوصية المشروع الإسلامي: وضوحه الفكري، تماسكه التنظيمي، وجذوره الشعبية الواسعة.
النخبة الليبرالية التي غالباً ما تعاني أحزابها من "التميع" وعدم الوضوح الفكري والتبعية للتمويل الخارجي، تجد في الوضوح الإسلامي تهديداً وجودياً.
لذلك يتم اختزال الصراع إلى معركة حول "الاسم" و"الشكل" بدلاً من مناقشة المشاريع والبرامج، لأن المعركة الفكرية على أرض المشاريع قد تكشف ضعف المشروع الليبرالي العربي في مقابل تماسك المشروع الإسلامي.
الأخطر في هذا النقد هو تحويل "الحياد" إلى أداة إقصاء, فباسم حماية التعددية، تُفرض حدود فكرية لا يجوز تجاوزها , وباسم الدفاع عن الديمقراطية، يتم استباق إرادة الناخب عبر منع خيارات قد لا تعجب النخبة.
وهكذا تتحول العلمانية التي تدعيها التيارات الليبرالية من آلية لتنظيم التعايش بين مختلف المعتقدات، إلى "دين مدني" جديد له مقدساته (الفصل بين الدين والدولة) ومحرماته (التعبير السياسي عن الهوية الدينية) وكهنته (النخبة المثقفة التي تحتكر تعريف التقدم والحداثة) .
الوقفة الثانية : مفارقة الدولة الدينية: احتكار الرمز ومنع التعبير
هنا تلتقي إشكالية النخبة الليبرالية مع إشكالية بعض المتنفذين في السياق العام للدولة , فالدولة التي تجعل الإسلام ديناً رسمياً لها وفق الدستور تواجه مفارقة غريبة: كيف تستمد شرعيتها من هذا الدين بينما تمنع القوى السياسية من استلهامه في برامجها؟!
الجواب يكمن في تحويل الدين من "مرجعية حية" إلى "رمز محتكر", فالدولة تحتكر الإسلام رمزياً كأداة لشرعنة سلطتها وهيبتها، بينما تمنع أي قوة أخرى من استخدام هذا الرمز في المنافسة السياسية.
بمعنى آخر، الإسلام مسموح به كشعار يعلو واجهة الدولة، لكنه ممنوع كمرجعية لتأسيس أحزاب منافسة , هذا يخلق حالة من الانفصام الدستوري: فالمادة الثانية من الدستور تمنح الدولة هوية إسلامية، بينما قانون الأحزاب يمنع التعبير السياسي المنظم عن هذه الهوية.
المفارقة الأعمق تظهر عند المقارنة مع النموذج الأوروبي. فالدولة العلمانية التي تعلن حيادها الديني (مثل ألمانيا) تسمح بوجود أحزاب مسيحية ديمقراطية، بل وتصل إلى الحكم.
بينما الدولة ذات الهوية الدينية (مثل الأردن) تمنع وجود أحزاب إسلامية , هذا يعني أن الدولة التي تعلن حيادها الديني أكثر تسامحاً مع التعبير السياسي عن الدين من الدولة التي تعلن هوية دينية!
هذه المفارقة ليست سوى تعبير عن "الخوف من الديمقراطية الحقيقية", فبعض المتنفذين في الدولة و التي تستمد شرعيتها من الدين يخشون أن تأتي صناديق الاقتراع بمن يقدم قراءة سياسية لهذا الدين تختلف عن قراءتهم هم للدين ، أو قد تنافسهم على مكاسبهم في الدولة .
لذلك يُفضلون "ديمقراطية محروسة" تضمن بقاء المنافسة السياسية ضمن نطاق ضيق وآمن، لا يهدد احتكار هؤلاء المتنفذين والمستفيدين من الرمز الديني الضيّق حسب قراءتهم الأحادية لها والاقصائية .
الوقفة الثالثة : مرونة المشروع الإسلام…







