هل أخطأنا كتابة قصة الأردن أم أخطأنا فهمها؟... المحاريق يجيب

{title}
أخبار الأردن -

 

قال الكاتب الصحفي سامح المحاريق إن الأردنيين يمتلكون في الأصل سردية واضحة تمتد من النطوفيين حتى اللحظة الراهنة، بلغت ذروتها في قيام الدولة الأردنية التي أثبتت حضورها الفعلي والرمزي، غير أن المشكلة – برأيه – تكمن في أن بعض المؤسسات، لافتقارها إلى خطاب واضح، دفعت النقاش نحو دهاليز ما قبل التاريخ واللغة بوصفهما شرطًا للسردية، في محاولة لتوسيعها إلى حدّ يفقدها معناها فلا تقول شيئًا محددًا.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية إن السردية الحقيقية لأي مجتمع لا تُبنى على مجرد تتبّعٍ زمني للأحداث، وإنما على وجود الإنسان داخل مكانه ضمن شرطٍ حضاري متكامل يتشكّل من اللغة والتاريخ والقدرة على تدوين الخبرة الإنسانية وتنظيم المجتمع وبناء الهوية المشتركة، مشيرًا إلى أن هذه العناصر لم تتبلور فعليًا إلا مع نشوء الحضارات الأولى التي منحت التجمعات البشرية معناها الثقافي والسياسي.

وأشار المحاريق إلى أن الحديث عن تاريخٍ سحيق يمتد لعشرات أو مئات آلاف السنين لا يقدّم قيمةً حقيقيةً للهوية المعاصرة، لأنه لا يرتبط بالكيان الحضاري الذي نعيشه اليوم ولا يفسّر تشكّل المجتمعات والدول، مشيرًا إلى أن السردية الفاعلة تبدأ حين يتحول الإنسان إلى فاعلٍ اجتماعي منتج وقادر على نقل تجربته عبر الأجيال، لا حين يصبح مجرد رقمٍ في تسلسلٍ تاريخي طويل.

وبيّن أن خصوصية الأردن التاريخية تنبع من كونه أحد فضاءات نشوء الحضارة والاستقرار البشري المبكر، حيث شهدت أرضه تحولات مفصلية في انتقال الإنسان من الكهوف إلى الاستقرار وبناء المجتمعات، معتبرًا أن هذه اللحظة الحضارية كافية لتأسيس سردية وطنية متماسكة دون الحاجة إلى المبالغة أو تضخيم وقائع بعيدة لا تمسّ التكوين الاجتماعي الراهن.

ولفت المحاريق إلى أن السردية الوطنية الحقيقية تُبنى عبر محطات مفصلية في تاريخ الدولة، وفي مقدمتها تجربة الجيش العربي بوصفه إطارًا جمع أبناء المجتمع ضمن هوية وطنية جامعة، إلى جانب سردية التعليم التي شكّلت رافعة أساسية لبناء الدولة، حين شارك الناس في تأسيس المدارس واستقبال المعلمين وتكريس المعرفة بوصفها مشروعًا جماعيًا.

ونوّه إلى أن الإشكالية تكمن في ضعف القدرة على تحويل التاريخ إلى خطابٍ وطني جامع، ذلك أن السرديات بطبيعتها متعددة ولا يمكن توحيدها قسرًا، لكن يمكن جمعها ضمن إطار يعبّر عن الدولة ومواطنيها ويمنحها معنىً سياسيًا وثقافيًا مشتركًا، محذرًا من أن ترك هذا المجال للسرديات المتنازعة يضعف الهوية ويشوّش الوعي العام.

وأوضح المحاريق أن تضخيم أو تقزيم دور الأردن في التاريخ يمثلان خطأين متساويين في الخطورة، فالدولة ليست مشروعًا طارئًا أو هامشيًا، فهي فضاء حضاري كان حاضرًا ومؤثرًا في تحولات المنطقة، مشددًا على أن المطلوب هو بناء حقيقة حضارية راسخة تمنح المجتمع حصانة فكرية وتماسكًا هوياتيًا في مواجهة التحولات.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية