الكشكي يكتب: ضفتي الأطلسي إلى تباعد
جمال الكشكي
العالم يتحرك بسرعة، والقوى الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها، بينما تتسع الصراعات في كل الاتجاهات، والأسواق تهتز والضمانات القديمة تتراجع، ولذلك تواجه الولايات المتحدة ضغوطا داخلية ودولية متزايدة، وباتت أوروبا تدرك أن الاعتماد الكامل على واشنطن أصبح مخاطرة إستراتيجية، لذا راحت تعزز قدراتها العسكرية والاقتصادية بنفسها.
انطلقت فعاليات مؤتمر ميونخ للأمن 2026 في نسخته الـ62 يوم الجمعة 13 فبراير، بمشاركة نحو 150 دولة، حضر رؤساء حكومات ووزراء دفاع وخارجية وخبراء أمن، ومنذ تأسيس المؤتمر عام 1963 أصبح منصة حيوية لمناقشة مستقبل النظام الدولي، وتأكيد التحالفات عبر الأطلسي، وإدارة الأزمات العالمية، خصوصا في الشرق الأوسط.
يقول فولفجانج إيشينجر، رئيس المؤتمر والدبلوماسي الألماني المخضرم، في حوار مع صحيفة نيويورك تايمز الأميركية تزامنا مع انعقاد المؤتمر: "أوروبا فقدت الثقة بالولايات المتحدة، وعملية استعادتها ستكون طويلة ومعقدة، لأن فقدان الثقة أسهل من استعادته".
لذلك دعا إيشينجر أوروبا إلى تعزيز قدراتها الذاتية لمواجهة أي تقلبات في السياسة الأميركية، حتى بعد عصر ترامب، فالفأس وقعت في الرأس كما تقول الحكمة الشعبية.
الأزمة عبر الأطلسي ليست بجديدة، فقد تراكمت عبر سنوات، إذ هاجم مسئولون أميركيون السياسات الأوروبية، وفرضوا الرسوم الجمركية على البضائع، وحاولوا إنهاء الحرب في أوكرانيا بشروط تخدم موسكو، وتدخلوا في ملف جزيرة جرينلاند الدنماركية، وكل هذه تلا أحداث أظهرت أن الضمان الأميركي لم يعد ثابتا.
وقد ردت أوروبا بسرعة، فرفعت ميزانيات الدفاع، وعززت التعاون الصناعي العسكري المشترك، وراجعت السياسات الدفاعية والاقتصادية، وبلورت مفهوم الاستقلال الاستراتيجي، وأدركت أن الأمن لم يعد امتدادا للقدرة الأميركية، ولكنه أصبح مسؤولية يجب تحملها داخليا، وهنا يمكن أن نتذكر مواقف فرنسا التي حاولت منذ عهد شارل ديجول أن تنتهج سياسة عسكرية مستقلة، وما تزال تدعو إلى جيش أوروبي موحد، وانضمت إليها ألمانيا أخيرا في هذا المطلب.
في ميونخ هذا العام بدا التحالف عبر الأطلسي هشا، إذ ناقش القادة ماذا سيكون عليه الوضع في حالة غياب أي دعم أميركي حاسم في الأزمات الكبرى، وفكروا في تأسيس آليات دفاعية وتجارية أقل اعتمادا على الولايات المتحدة، مع التركيز على توحيد الجهود الأوروبية في صناعة القرار الإستراتيجي.
أوروبا ليست الخاسر الوحيد من تغيير بنية أميركا العميقة، فهناك الحليف الأكثر اعتمادا عليها، أي إسرائيل، إذ يبتعد المزاج الأميركي تدريجيا عن التحالفات التقليدية.
تجلى ذلك في زيارة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، حين كان يطمح إلى قرار بالحرب ضد إيران، بينما ترى واشنطن أن التفاوض يمثل الحل على المدى القريب.
وقد رصدت إسرائيل هذه التحولات بدقة، وأدركت أنها لم تعد تستطيع الاعتماد الكامل على الدعم العسكري الأميركي، فقررت توسيع الصناعات الدفاعية الذاتية، خصوصا في مواجهة إيران، ومن ثم فإن التحالفات الجديدة من أوروبا إلى إسرائيل راحت تعتمد على مصالح ذاتية.
مداخلات القادة الأوروبيين في ميونخ تؤكد أن فقدان الثقة ليس حالة طارئة، إذ انعكست تحولات هيكلية في السياسة الأميركية، وبدا في الأفق عالم متعدد الأقطاب، وقد أظهر مؤتمر ميونخ أن التحالف عبر الأطلسي أصبح شبكة أكثر هشاشة وتعقيدا، مع فقدان ثقة قد لا تعود في المستقبل القريب، فالترامبية لم يعد يمثلها ترامب وحده، إنما جاءت عبر بنية تراكمت عبر سنوات، وتنظر الآن إلى أوروبا كعبء مؤلم.
أصبح واضحا أن أوروبا فهمت أن الاستقلال الاستراتيجي صار ضرورة ملحة، فيما تحتاج الثقة مع واشنطن إلى إدارة دقيقة وحساسية مستمرة لكل تقلبات السياسة الأميركية.
تنعكس هذه الأزمة على الشرق الأوسط بشكل مباشر، إذ يفتح التوتر الأوروبي الأميركي مساحة لدول إقليمية لإعادة ترتيب موازين القوة، وقد بحثت بعض الدول عن تحالفات متعددة دون الاعتماد الكامل على واشنطن أو أوروبا، فيما تصاعدت الصراعات مع ضعف الضامن التقليدي، واضطرت بعض الدول الأخرى التي اعتادت على الدعم الخارجي إلى تعزيز قدراتها الداخلية، فصار الأمن الإقليمي مرتبطا بقدرة اللاعبين المحليين على إدارة التوازنات في ظل غياب الضمانات الخارجية.
وبهذا الشكل تفرض تحركات أوروبا وأميركا وإسرائيل واقعا استراتيجيا جديدا، إذ لم يعد الاعتماد على القوى التقليدية مضمونا، وصار بناء القدرة الذاتية والاستعداد لمواجهة المفاجآت معيار القوة الجديدة.
وقد كشف مؤتمر ميونخ 2026 عن أزمة ثقة عالمية وضعت الأطلسي على مفترق طرق، وفرضت على اللاعبين خيارا واحدا: الاستقلال الاستراتيجي في زمن اللايقين.







