عوض يكتب: بين فجوة الوظائف وثورة الذكاء الاصطناعي

{title}
أخبار الأردن -

 

أحمد عوض


خلال الأسابيع القليلة الماضية، نشر كل من مديرة صندوق النقد الدولي "كريستالينا جورجيفا" ورئيس مجموعة البنك الدولي "أجاي بانغا" مقالتين مهمتين تشخصان حال أسواق العمل ومستقبل الوظائف والتحديات التي تواجهها.
 

انطلقت مديرة الصندوق من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على ديناميكيات الأسواق، مركّزةً على جانب العرض والمهارات والتحول التكنولوجي، بينما انطلق رئيس البنك الدولي من مخاطر فجوة الوظائف خلال السنوات الخمسة عشر القادمة، متوقعاً أن تصل الفجوة إلى نحو 800 مليون وظيفة، في ظل دخول ما يقارب 1.2 مليار شاب وشابة إلى سوق العمل، مقابل قدرة الاقتصاد العالمي على خلق نحو 400 مليون وظيفة فقط.
تحذيرات قادة المؤسستين جدية ومبنية على معطيات واقعية. "جورجيفا" تشير إلى أن نحو 40 بالمائة من الوظائف عالمياً معرضة لتغيرات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وأن القدرة على تحديث المهارات أو اكتساب مهارات جديدة ستصبح شرطاً أساسياً للحفاظ على العمل. 
وهي تدعو إلى إصلاح أنظمة التعليم، والاستثمار به مدى الحياة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان تنافسية الأسواق. في المقابل، يطرح "بانغا" إستراتيجية ثلاثية لخلق الوظائف تقوم على الاستثمار في البنية التحتية البشرية والمادية، وتهيئة بيئة صديقة للأعمال، ودعم توسع القطاع الخاص، مع التركيز على قطاعات مولّدة للعمالة مثل الزراعة، والصحة الأولية، والسياحة، والبنية التحتية، والتصنيع ذي القيمة المضافة.
من حيث التشخيص، تبدو الرؤيتان متكاملتين: الأولى تعالج نوعية الوظائف ومهاراتها في ظل التحول الرقمي، والثانية تعالج كميتها في ظل الضغط الديموغرافي. غير أن السؤال الجوهري بالنسبة لنا، كأبناء دول الجنوب العالمي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديداً، هو: إلى أي مدى تتسق هذه التوصيات مع السياسات الفعلية التي روّجت لها المؤسستان لعقود في بلداننا وما زالت؟
لقد كانت تدخلات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (بوصفهما المؤسستين الاقتصاديتين الأكثر نفوذاً في تشكيل ملامح اقتصاداتنا) عاملاً رئيساً في إعادة هندسة دور الدولة.
شجّعت، بل وأجبرت في كثير من الحالات، حكوماتنا على الانسحاب من النشاط الاقتصادي والاكتفاء بدور تنظيمي يخدم مصالح القطاع الخاص، ولا سيما الشركات العابرة للقارات. رافق ذلك ضغطٌ منهجي على السياسات الاجتماعية من خلال برامج تقشفية استهدفت الأجور، والحمايات الاجتماعية، وسياسات العمل، وأضعفت قدرة الحكومات على دعم استدامة نظم الحماية الاجتماعية وتقليص الفقر، لتتحول السياسات من معالجة أسباب الفقر إلى الاكتفاء بإدارة نتائجه.
في مقالتها، تركز مديرة الصندوق على جانب العرض المتمثل في المهارات والتعليم والاستعداد للتحول الرقمي.
غير أن صندوق النقد الدولي، في ممارساته العملية، غالباً ما يتجاهل سياسات جانب الطلب التي تحفّز النمو الشامل وتوسّع فرص العمل.
فسياسات الانكماش المالي، والضغط على الأجور، تؤدي إلى إضعاف الطلب الاستهلاكي المحلي، وهو أحد أهم محركات خلق الوظائف.
كما أن تسهيل الاقتراض (حتى وإن كان بشروط ميسرة نسبياً) أغرق دولنا في دوامة مديونية متصاعدة، بحيث باتت مخصصات خدمة الدين السنوية في كثير من البلدان تتجاوز الإنفاق على التعليم والصحة، وهما القطاعان اللذان تدعو المقالتان إلى الاستثمار فيهما.
المفارقة أن التحذير من فجوة الوظائف ومن اختلال المهارات صحيح في جوهره، لكن السياسات المطبقة على أرض الواقع تسير في اتجاه معاكس.
فعندما يُطلب من الحكومات تقليص الإنفاق العام، وتجميد التوظيف والأجور، وتقليص الدعم الاجتماعي المستدام، فكيف يمكن لها أن تستثمر بجدية في التعليم النوعي، أو في التدريب التقني، أو في بنية تحتية قادرة على توليد فرص عمل واسعة النطاق؟
إلى جانب ذلك، فإن سياسات التعليم المعمول بها في غالبية دول المنطقة تكرّس التفاوت الاجتماعي.
التوسع في التعليم الجامعي الخاص وارتفاع تكاليفه جعلا فرص التعليم الجيد الذي يؤهل الشباب للاستفادة من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، حكراً على أصحاب الدخول المرتفعة.
أما الفئات الأقل دخلاً، فتظل عالقة في نظم تعليم عام ضعيفة الموارد، ما يعمّق الفجوة الاجتماعية واللامساواة الاقتصادية. وهكذا، فإن الحديث عن الاستعداد للذكاء الاصطناعي يصبح خطاباً نخبوياً لا يعكس واقع الأغلبية.
الأخطر من ذلك هو إغلاق آذان بعض الخبراء في المؤسستين عن الاستماع لوجهات النظر في دول الجنوب العالمي. كثير من الدراسات التي يعدّها خبراء وطنيون ومنظمات مجتمع مدني تُهمل أو يُستهان بها، وفي أحسن الأحوال يُستمع إليها دون أن تُترجم إلى سياسات.
وبالتالي يطغى المنظور المحاسبي والمالي الضيق على الاعتبارات الاجتماعية والحقوقية، خاصة لدى خبراء صندوق النقد،   بحيث يُقاس "الاستقرار المالي والنقدي" للدول بأرقام العجز والتضخم، لا بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف لائقة أو تقليص الفقر وعدم المساواة.
لا شك أن ما تحذر منه مديرة الصندوق ورئيس البنك الدولي حقيقي: فجوة وظائف هائلة وتحول تكنولوجي عميق قد يفاقم مشكلات أسواق العمل. لكن إذا استمرت السياسات المفروضة على دولنا على حالها، فإنها ستقوّض الشروط ذاتها التي تقول المقالتان إنها ضرورية لمستقبل العمل.
المطلوب ليس فقط إصلاح التعليم أو دعم المهارات، بل إعادة التفكير في نموذج التنمية ذاته: نموذج يوازن بين الاستقرار المالي والنقدي والعدالة الاجتماعية، بين دور القطاع الخاص ودور الدولة وبين متطلبات السوق وحقوق العمل.
وإلا فإن السؤال لن يكون ما إذا كنا مستعدين للذكاء الاصطناعي أو لفجوة الوظائف، بل من سيدفع ثمن الاستقرار الاقتصادي عندما يتحقق على حساب الناس وحقوقهم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية