الدعجة يكتب: الوفاء والبيعة: عهد القيم واستمرار الرسالة

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة

يأتي يوم الوفاء والبيعة بوصفه وقفة وطنية عميقة، تتجاوز حدود الذكرى إلى فضاء المعنى، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، وتتعانق الذاكرة مع المسؤولية، ويجدد الأردنيون عهدهم لوطنٍ صاغ تاريخه قادةٌ آمنوا بالإنسان قبل المكان، وبالرسالة قبل المنصب. إنه يومٌ يستحضر في الوجدان صورة القائد الراحل الذي أسس وبنى، ويؤكد في الوقت ذاته استمرار المسيرة بقيادةٍ تحمل الأمانة وتدرك ثقلها، فتوازن بين الوفاء للإرث، والطموح نحو المستقبل، في مشهدٍ وطني يجسد وحدة الصف وصدق الانتماء.
 

الوفاء في هذا اليوم ليس مجرد مشاعر عاطفية، بل هو التزام أخلاقي راسخ، واعتراف بالجميل لقائدٍ قاد الوطن في أصعب المراحل، وواجه التحديات بحكمة وشجاعة، فكان الحسين بن طلال - طيب الله ثراه - مدرسةً في القيادة، ورمزًا للإنسانية، وصوتًا للعقل في زمن الاضطراب. في عهده، تشكلت ملامح الدولة الأردنية الحديثة، وترسخت مؤسساتها، وتوسع التعليم، وتعزز الوعي الوطني، فغدا الانتماء قيمة متجذرة، والعمل سلوكًا وطنيًا، حتى بات الأردن نموذجًا في الصبر والبناء رغم قلة الموارد وكثرة التحديات، وقصة نجاح تُروى بالإرادة قبل الإمكانات.
لقد آمن القائد الراحل بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، فاستثمر في التعليم والصحة، وفتح أبواب الأمل أمام الأجيال، وغرس في النفوس قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية، إيمانًا منه بأن بناء العقول هو الأساس المتين لكل نهضة حقيقية. ولم يكن اهتمامه بالإنسان شعارًا عابرًا، بل نهجًا راسخًا تُرجِم إلى سياسات وبرامج هدفت إلى تمكين المواطن وتعزيز دوره في مسيرة الوطن. ولم تكن الإنجازات آنذاك مجرد مشاريع مادية، بل كانت مشروعًا وطنيًا متكاملًا، جوهره الكرامة الإنسانية، وهدفه بناء دولة قادرة على الصمود والاستمرار، تتكئ على وعي شعبها، وتستمد قوتها من وحدته وإرادته الصلبة في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
ومع ذكرى الوفاء، تتجدد البيعة، لا بوصفها طقسًا رمزيًا، بل باعتبارها عقد ثقة متبادلة بين القيادة والشعب، يتجسد فيه الوعي بالمسؤولية المشتركة، والإيمان بوحدة المصير. بيعة لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، الذي حمل الأمانة في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، فقاد السفينة بثبات، محافظًا على استقرار الوطن، وموازنًا بين متطلبات الإصلاح وضرورات الأمن، وبين طموحات التحديث وأصالة الثوابت، بروحٍ قيادية تدرك طبيعة التحديات وتحسن التعامل معها بحكمة وبعد نظر. وقد تجلت هذه القيادة في نهجٍ واقعي يجمع بين الجرأة في اتخاذ القرار، والحرص على مصلحة الوطن العليا، ليبقى الأردن واحة أمن واستقرار، ومسيرة متواصلة نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
منذ تولي جلالة الملك سلطاته الدستورية، شهد الأردن مسيرة إصلاح شاملة، شملت تحديث المنظومة السياسية، وتعزيز المشاركة الشعبية، وتطوير التشريعات، بما يواكب تطلعات المواطنين نحو دولة القانون والمؤسسات، ويعزز الثقة بين المواطن والدولة. وقد اتسمت هذه المسيرة بالتدرج والحكمة، مراعيةً خصوصية المجتمع الأردني وتحديات المرحلة. كما أولى جلالته اهتمامًا خاصًا بالاقتصاد الوطني، فعمل على تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار، ودعم المبادرات الريادية، إيمانًا منه بأن التنمية المستدامة هي الأساس الحقيقي للاستقرار، وأن تمكين الاقتصاد الوطني يشكل ركيزةً أساسية لتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، وبناء مستقبل أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الأزمات.
وفي مجال التعليم، شهد الأردن تطورًا نوعيًا، حيث جرى التركيز على جودة المخرجات، وربط التعليم بسوق العمل، وتعزيز التعليم التقني والمهني، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار. وقد انعكس ذلك على إعداد جيل واعٍ، قادر على التفكير النقدي، ومؤهل للمنافسة في عالم سريع التغير. ولم يكن هذا التوجه بعيدًا عن إيمان القيادة بأن المدرسة هي المحضن الأول لصناعة المواطن الصالح، وأن بناء العقول لا يقل أهمية عن بناء الحجر.
أما على الصعيد الصحي والاجتماعي، فقد شهدت المملكة توسعًا في الخدمات، وتحسينًا في البنية التحتية، واهتمامًا بالفئات الأكثر حاجة، بما يعكس رؤية إنسانية شاملة تضع المواطن في قلب السياسات العامة. كما حافظ الأردن على نهجه المعتدل، فكان واحة أمن واستقرار في محيط مضطرب، ومثالًا للتعايش والاحترام المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع.
ولم تقتصر إنجازات العهد على الداخل، بل امتدت إلى الحضور الدولي الفاعل، حيث لعب الأردن دورًا محوريًا في الدفاع عن القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، انطلاقًا من دوره التاريخي ومسؤوليته الأخلاقية. كما اضطلع الأردن بدورٍ إنساني بارز في إغاثة اللاجئين، مقدّمًا نموذجًا في التضامن وتحمل الأعباء رغم محدودية الإمكانات. وإلى جانب ذلك، رسّخ الأردن حضوره كصوتٍ عاقل في المحافل الدولية، داعيًا إلى الحوار ونبذ التطرف، ومؤكدًا أن السلام القائم على العدل هو السبيل الوحيد لضمان أمن الشعوب واستقرار المنطقة وبناء مستقبل إنساني أكثر توازنًا.
إن يوم الوفاء والبيعة هو تجديد للعهد مع الذات قبل أن يكون تجديدًا للعهد مع القيادة، هو تذكير بأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالعمل، ولا تُصان بالكلام، بل بالإخلاص. وهو دعوة مفتوحة للأجيال القادمة لتحمل المسؤولية، وتكملة المسيرة، بروحٍ واعية، وعقلٍ منفتح، وقلبٍ مخلص لهذا الوطن.
يبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي، نموذجًا للدولة التي تعرف كيف تحفظ تاريخها، وتستثمر حاضرها، وتصنع مستقبلها. ويظل يوم الوفاء والبيعة شاهدًا على علاقة فريدة بين قائدٍ وشعب، أساسها الثقة، وعمادها الإخلاص، وغايتها أردن قوي، آمن، ومزدهر.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية