العايدي يكتب: السياسة الشرعية (1): لماذا لا تدار الدولة بعقلية الجماعة؟
د.محمد صبحي العايدي
من أكثر الأخطاء كلفة في تاريخ التجارب السياسية للجماعة ذات المرجعية الدينية، الخلط بين منطق الدولة ومنطق الدعوة، هذا الخلط عطل الدولة وأساء للدين في نفس الوقت، فحين تنتقل الدعوة من فضائها الطبيعي إلى إدارة الحكم، فهنا المشكلة لا تكمن في وجود الجماعة، بل في حكم الدولة بعقلية الجماعة، لا بعقل المصلحة العامة، أيا كان مرجعيتها أو لا فتتها، ويبدأ الانهيار البطيء مهما بدا الخطاب في بدايته أخلاقياً أو ثورياً أو مبدئياً.
الجماعة ذات المرجعية الدينية كيان أخلاقي تربوي دعوي، بينما الدولة كيان سياسي إداري معقد، يقوم على إدارة الواقع، في حين أن الجماعة تبنى على تصور المأمول أو المثالي، ولذا نجد أن خطاب الجماعة ينشد المثالية، وهدفها إصلاح الفرد، بينما الدولة مسؤولة عن تنظيم مجتمع متعدد، متناقض المصالح مختلف القناعات، لا يجمعه الإيمان بالضرورة، بل تحكمه رابطة العيش المشترك.
وهذا يتوافق مع السياسة الشرعية في معناها العميق حيث وجدت لإدارة أمة متعددة، ولتحقيق المصالح العامة، فهي فقه الموازنة، وفقه المآلات، وفقه ترجيح الممكن على المأمول، لا فقه انتصار الجزء، أو فقه الشعارات والنوايا، لذا تعتبر الدولة في السياسة الشرعية كيان إلزامي يعيش في كنفه المؤمن وغير المؤمن، ولا يجبر أحد على الولاء لأيديولوجية معينة، الموافق أو المعارض، فهي الحكم الذي يتمثل في تحقيق العدل بين المختلفين، ولا يسعى لإرضاء جماعة على حساب أخرى، ويقاس نجاحها بمدى خدمة الاستقرار، ومنع الظلم، وحفظ كيان الدولة.
ومن هنا فالدولة كيان جامع، بخلاف الجماعة التي هي كيان جزئي، وحين يحاول الجزء أن يحكم الكل يبدأ الخلل البنيوي، الذي لا تعالجه حسن النوايا، ولا الشعارات مهما كانت نقية، لأن الجماعة بطبيعتها تقوم على منطق الاصطفاف، وتعرف نفسها بـ «نحن» و «هم»، وتبني تماسكها الداخلي على الولاء لها، وتستمد قوتها من التحشيد، وتفسر الخلاف بوصفه تهديداً لها، هذا المنطق قد يكون فعالاً في التعبئة، لكنه مدمر حين يتحول إلى منطق حكم، لأن الدولة لا تدار بعقلية «نحن» بل بعقلية «الجميع»، ولا تقاس شرعيتها بمدى رضا جماعة بعينها، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف دون أن ينفجر.
ومن هنا فإن إسقاط منطق الجماعة على الدولة يحول المجتمع كله إلى ساحة اصطفاف، وتتحول المؤسسات إلى أذرع أيديولوجية، ويختزل الوطن في فكرة واحدة، ورؤية واحدة، ويجعل المواطنة مشروطة بالولاء للجماعة، والكفاءة تابعة للانتماء لها، والحق العام رهينة للهوية الغالبة، كما يتحول الخلاف السياسي إلى خصومة إيمانية، وتجربة الحركات الإسلامية في بعض البلاد العربية مؤخراً كشفت هذا الخلل بوضوح، فهي تتعاملت مع الدولة باعتبارها «غنيمة تمكين» لا باعتبارها كياناً يحتاج إلى توافق وطني واسع، ويتم الخلط بين الشرعية الانتخابية والشرعية المجتمعية، وبين الانتصار السياسي وإدارة الدولة، مما قد يدخل البلاد في حالة استقطاب حاد، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع هوياتي، وتنتهي التجربة بالفشل الذي يدمر السياسة والدعوة معاً، وهذا الفشل لا يعود إلى الدين، بل إلى فشل عقلية الجماعة في موقع الدولة.
وأخطر ما في حكم الجماعة هو تقديسها لنفسها، حيث يصبح الانتماء لها معياراً للحق، وتحول نفسها إلى مرجعية أخلاقية مطلقة، وتغلق أبواب المراجعة لنفسها، حتى في ظل المراحل التاريخية الحرجة من عمرها، فيشيطن الخصوم، ويعاد تعريف النقد لها بوصفه خيانة، هنا تتحول الدولة إلى صراع على الهويات، وتغلق إمكانية الإصلاح من الداخل، لأن الاعتراف بالخطأ يعد في أبجدياتها طعناً في مشروعها، وتهديداً لوجودها، لا مساراً لتصحيح نهجها.
ولذا تجد أن الجماعة الدينية قد تعذر نفسها أو أتباعها بحسن النية، أما في عقل الدولة فلا يبرر الفشل بحس القصد، فتحاسب على الأمن والاقتصاد، والاستقرار والعدالة، ومن هنا فإن أخطر ما تواجهه الدولة هو حكم من يخلط بين خدمة الصالح العام، وخدمة القاعدة الشعبية التي أوصلته إلى السلطة، هنا تفقد الدولة التي تقودها الجماعة حيادها، وتخسر شرعيتها وتبدأ بالتآكل من الداخل، أما الدولة التي تدار بعقل سياسي راشد، منضبط بالقيم مدرك للواقع، فإنها تحمي الجميع دون أن تذوب هوية على حساب هويات أخرى.







