أبو زينة يكتب: غاية العرب في عالم يتغير..! (2-1)
علاء الدين أبو زينة
ثمة عنوان ملفت لمقال حديث كتبته محللة وباحثة سياسية، سناء خان، نُشر في موقع «مودرن دبلوماسي» حيث تعمل خان مديرة للأخبار: «ما غاية أوروبا في عالم يتغير؟ عليها أن تقرر بسرعة». ويغري العنوان باستعارته للسياق العربي، ولو لمجرد التأمل المحض. ولِمَ لا؟: «ما غاية العرب في عالم يتغير؟ عليهم أن يقرروا، وبسرعة».
ينبغي الاعتراف بأن وجود كلمة «عرب» في أي سياق سيكون كفيلًا بإغنائه نظريًا –وبإحباطه بشدة إذا كان محتواه عمليًا. كبداية، ليس ثمة تعريف مستقر لهذا الموصوف: «عربي». ويَفترِض استعمال الكلمة بحيث تكون ذات معنى وجودَ كيان حيوي اجتماعي-سياسي واضح السمات، قابل للتعرف إليه بهذه الصفة، ويمكن توقُّع أن يفكر ويتصرف كما تتصرف الشخصية الجمعية، السوية المتماسكة الواعية لذاتها وغير المفصومة، التي تفترضها هذه الصفة.
غياب التعريف، أو الشخصية، بهذا المعنى محبط سلفًا للراغب في الاقتراح بشأن العرب. ستبدو أفكاره طوباوية وأسطورية غير واقعية: «عن أيِّ عرب تتحدث يا خال»؟! وقد لا تؤدي اقتراحاتهم -في حال إعلانها- أكثر من وظيفة «المونولوج الداخلي» في الدراما، حيث المُستقبِل هو المُرسل، وحيث القصد هو عرض العالَم الباطني للشخصية فحسب. ومَن يريد أن يُفتضح عالمَه الداخلي لمجرد ذلك؟ ثمة انطباع بأن أي «مطبخ» سياسات في العالم العربي لن يهتم باقتراحات الأفراد من غير «الذوات». أما مقترحات «العوام»، ومنهم المفكرين والفلاسفة، فمحلها الإهمال. مفاوضتها مضيعة للوقت -وربما مدعاةٌ لحرج غير ضروري. وتجاهلها راحة، كما ينبغي لقانع بأداء عمل محفوظ ومألوف حتى أصبح آليًا.
أيا يكُن، من الآمِن اقتراح أن سؤال علاقة الغاية- الوجود- المعنى كلي الحضور في صلب وعي أي ذات لوجودها على أي مستوى: سيكون أيُّ وجود أو مسعى بلا غاية موصوفة تجسيدًا للعبث في قيمته المطلقة. وهو بالضبط السبب في إصرار الباحثين عن معنى على إثارة «المشكلات» الكبيرة، ولو من أجل تعريف غاياتهم الفردية وفق مُمكنٍ مرغوب -باعتبارهم مقيدين بشروط الغاية الجمعية الحاكمة -الغائمة.
لا يكتفي اضطراب الغاية الجمعية بتشويش الأفق العام، بل ينعكس بتسلُّط قدَري على غاية الفرد بوصفها مشروعًا وجوديًا هشًّا يحتاج الاستناد إلى وجود أعلى. وعندما تعجز الجماعة عن تعريف ما تريد أن تكونه، فإنها تترك الفرد معلقًا في فراغ دلالي فحسب: سوف تتقاطع غايته مع الجماعة من حيث التبعية القسرية للمصير؛ وستتناقض معها لأن هذا المصير غير مُسمّى -ولا حتى مُختار.
ستلتقي الغاية الجمعية بالفردية حتمًا، باعتبار الأولى شرط إمكان الثانية، وحيث تحقق الذات الفردية مرهون بتحرّر الجماعة وقدرتها على إنتاج معنى مشترك مقبول. وتتناقض الغايات عندما تُصادَر الغاية الجمعية نفسُها، ويعاد تدويرها، ثم تُقدَّم بوصفها قدرًا مفروضًا مجردًا من الاختيار، وتطالب الفرد بالامتثال وليس المشاركة، والاكتفاء بالاستهلاك ونسيان أمر الإنتاج. وهكذا، يستهلك الفرد غاية لا تلائم ذائقته، ولا تعترف به ولا تستشيره ولا تمنحه قيمة كذات من الأساس. والنتيجة أزمة تدفع الفرد إلى الانكفاء والقبض -إذا أمكن- على أي بقايا أخيرة للمعنى كالقابض على الجمر.
وثمة الانطباع، بأن غاية العرب حددها الآخرون سلفًا، مرة واحدة وللأبد: البقاء، مجرد البقاء بأي شكل وثمن. غايتكم أن تعيشوا بـ»سلام» وأن تحفظوا رؤوسكم بالطأطأة للريح والسير عند الحائط والدعاء بالستر. سموه «السلام بالقوة»، أو حتى «سلام الشجعان». «احفظوا رؤوسكم عند تبدُّل الدُّول».
مع كل ذلك، ولو من باب المماحكة: يجب على العرب مواجهة سؤال الغاية، الآن، والإجابة عنه بسرعة –كمطلب عملي واقعي وفي منتهى الدنيوية، من أجل العثور على معنى لما تبقى من حاضرنا وما سيأتي من مستقبل أولادنا. نحن نعيش في هذا الوقت لحظة إعادة توزيع حثيثة لكعكة العالم. وثمة تدافع على حجز الحصص والأدوار بالأذرع والمناكب. وتقول الحكمة العربية التي أنجبتها الخبرة: «الذي لا يحضر السوق لا يتسوق»، و»الغائب ما له نائب». والقادم متأخرًا بعد أن ينتهي المبكرون من حجز المقاعد لن يبقى له سوى «مزجر الكلب»، مع الأحذية عند الباب -حاشا وكَلا!
ثمة الآن في العالم تحولات متسارعة، وهوامش متناقصة للمؤجِّلين والمتراخين. ثمة إعادة توزيع للنفوذ والقوة؛ وثمة نقض للتراتبيات والهرميات القديمة؛ وثمة إعادة كتابة، في الزمن الحقيقي، لـ»القواعد» التي حكمَت ما يدعى «النظام الدولي» لعقود. وفي هكذا لحظات، لن تنال الشعوب والمناطق التي تعجز عن الحضور وتعريف غاية لنفسها بنفسها سوى غاية فائضة يُسندها إليها الآخرون بعد أن يستأثروا بالغايات. وما للمتأخر عن السوق سوى سقط المتاع، وشراء ما لا ينبغي أن يُشترى. وهذه المرة، ستكون كلفة التراخي على العرب -المتعايشين باستسلام راضٍ وغريب- مع علل التدخل الخارجي المزمن، والتفكك الداخلي، ومشاريع السيادة وبناء الدولة غير المكتملة، باهظة بأبعاد أسطورية.
على مدى قرن تقريبًا، كان العرب في السياسة العالمية –غالبًا-موضوعًا للاستراتيجيات وليس أبدًا كفاعلين إستراتيجيين. نظريًا، جغرافيتهم محورية؛ ومواردهم مطلوبة وضرورية؛ ومجتمعاتهم من الأكثر تأثرًا بالقرارات الدولية. ومع ذلك، جعلهم تعطيل إرادتهم الجمعية غير مشاركين في تحديد النتائج بأي قدر من التناسب مع ثقلهم الحقيقي والممكن.
ثمة في لحظات تغيّر النظام العالمي الراهنة نافذة فرصة ضيقة لتحريك أطراف هذا الواقع الكسول، المتصلب والساكن -أو تجميده نهائيًا في الوضع المُرهق الذي هو عليه. إذا كان ثمة تعددية قطبية قيد التشكل، فإنها لن تتطوع بتمكين الضعفاء؛ وسوف تكافئ فقط من يَعرضُ مؤهلات التنظيم والتماسك، القادر على صياغة مصالحِه والجهر بها بلغة تجبر الآخرين على الإصغاء.
ثمة تصور، بعيد، مستحيل –ربما ليس بالمطلق- لشروع معقول في صوغ غاية جمعية ذات معنى. في أوروبا، لديهم «الاتحاد الأوروبي». وعندنا؟ أنس إيقاظ «الجامعة العربية» النائمة، باجتماعاتها الطقوسية ومنتجاتها الخطابية، واستضافتها للمهيمنين من الأعداء الصريحين كضيوف شرف وختم مصادقة. ثمة اجتماع مغلق لأصحاب القرار، بقيادة دولة وازنة، بلا مراسم ولا كاميرات. بلا «ضيوف شرف»، في معتزَل ومع الكثير من القهوة وحسن النية. وثمة بند واحد على أجندة القمة المصيرية: «ماذا يجب أن تكون غايتنا، نحن، في عالم يتغير؟ ينبغي أن نجيب الآن، وبسرعة».







