أبو زينة يكتب: ليست حربنا..!
علاء الدين أبو زينة
ثمة إحساس قاتم بالتوقع يخيم على آفاق المنطقة مع تصاعد احتمالات اقتراب التوتر بين أميركا وإيران من حافة المواجهة العسكرية المفتوحة. وعلى الرغم من النظرة غير الإيجابية التي عبّر عنها الخطاب الرسمي العربي غالبًا إلى سياسات طهران وسلوكها الإقليمي، فإن فكرة اندلاع حرب مباشرة تشنّها الولايات المتحدة-منفردة أو بالشراكة مع الكيان الصهيوني- تبدو الآن غير مرغوبة إلى حد كبير - أو أنها ينبغي أن تكون كذلك وفق أي منطق إستراتيجي.
ينبغي أولاً إدراك أن أميركا والكيان لن تخوضا أي حرب أو تفعلا أي شيء بقصد الدفاع عن العرب وأمنهم ومصالحهم. وستكون هذه الحرب المتوقعة خطوة إضافية فقط نحو تكريس تفوق إستراتيجي مختلّ مائل لمصلحتهما في الأساس. وقد كرر ليندسي غراهام مؤخرًا المعروف مما قاله جو بايدن من أن الكيان الصهيوني هو أداة مركزية للهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط. ومن سلوك الحليفين، يظهر أنهما يعتبران إيران العقبة الأخيرة أمام اكتمال هذا التفوق. وهما لا يهتمان مطلقًا بما إذا كانت إيران تهدد الدول العربية «وجوديًا»، كما يروجان لاعتبارها كذلك، وإنما لأنها تملك قدرة واقعية - أو بالإمكان- على كسر احتكارهما النهائي للقوة في الإقليم. وينبغي أن يكون واضحًا للعرب أن أي حرب تُشنّ عليها ستُخاض لإزالة هذه العقبة، حيث أمن العرب أو سيادتهم خارج الحسابات، وآخر شيء يمكن أن يكون مطلوبًا.
وفق هذه الحقائق الواضحة، سيكون العرب الخاسر الإستراتيجي النهائي من الحرب المتوقعة على أي مستوى. لن يُدار الجزء الأساسي من الحرب، إذا اندلعت، على أراضي أميركا أو الكيان. ستكون ميادينها الخليج، والعراق، وبلاد الشام، وطرق الطاقة والملاحة التي تشكل شرايين الاقتصاد العربي. سيكون إغلاق مضيق هرمز، أو حتى تهديده، كفيلًا بإرباك أسواق الطاقة، وضرب الإيرادات، وزعزعة الاستثمارات، وربما إدخال الاقتصادات العربية في غرف العناية الحثيثة لوقت طويل. وهي سيناريوهات تتمتع فرضياتها بالكثير من السند البحثي والأكاديمي.
سوف تحرم هذه الحرب- إذا اندلعت- أصحاب المنطقة من أي إمكانية للتحكم في آليات الصراع، وتغرقها في دوامة تصعيد مفتوح. لا شيء يضمن «كسر» إيران بضربة خاطفة. وهي تمتلك شبكة علاقات وتحالفات عسكرية وسياسية ممتدة في الإقليم. ويمكن أن يحوّل ردها، مباشرة أو عن طريق الحلفاء، عدة دول عربية إلى ساحات اشتباك حتى لو لم ترغب حكوماتها بذلك. وينبغي أن يستنتج أي حساب عربي عقلاني ما يلي: تستطيع الولايات المتحدة والكيان إشعال الحرب، لكنهما لن تتحملا الجزء الأسوأ من تبعاتها الاجتماعية والإنسانية والسياسية، التي ستقع بالكامل على كاهل العرب.
من المفارقات أن هذه الحرب المتوقعة على إيران ربما تقضي على آخر ما تبقى من مفهوم السيادة العربية. إنها تُحوّل الدول التي تُستخدم أراضيها أو أجواؤها أو قواعدها في حرب كبيرة، بلا قدرة حقيقية على التحكم بمساراتها أو نهاياتها، من دول صاحبة قرار إلى قطع صماء في آلة الهيمنة. وسوف يعمّق ذلك نمط التبعية الأمنية الذي يجري فيه تعريف «الضرورة» دائمًا من خارج الإقليم، بينما يُطالب العرب وحدَهم بالتضحية. وكان المفكران الأميركيان، ستيفن والت وجون ميرشايمر، من بين كثيرين حذروا من أن التحالفات غير المتكافئة تجرّ الدول الأضعف إلى حروب لا تخدم مصالحها وتعزِّز فقط مصالح القوة المهيمنة.
سوف تقضي هذه الحرب أيضًا على أي احتمالات لترتيب تسويات إقليمية إستراتيجية. ثمة دول عربية وجدت مصلحة في تغيير العلاقة مع إيران من تصادم حتمي ووجودي إلى خلاف إقليمي بين جيران. وقد دخلت هذه الدول مسارات تطبيع أو تهدئة مع طهران، أو أعادت فتح قنوات معها. وسوف تجد هذه الدول أنفسها وقد أعيدت إلى واقع من الاستقطاب القسري المناقض للاستقرار.
على المستوى الأخلاقي– السياسي الداخلي، ثمة عامل لا ينبغي تجاهله. لقد أصبح الرأي العام العربي بعد عقود من الحروب أكثر تشككًا في الروايات التي تبرر الدمار باسم «الأمن». ويعرف المواطن العربي أن الحروب الأميركية في العراق وسورية لم تجلب استقرارًا ولا ديمقراطية، ولم يجئ في ركابها سوى الفوضى، والتهجير، والانقسامات. وسوف تُقرأ أي حرب جديدة تُشنّ باسم «ردع إيران» -شعبيًا- باعتبارها حربًا أخرى تخدم الكيان أولًا، وتُدار باستخدام العرب كأدوات من دون عائد عربي. وينطوي ذلك على تهديد الاستقرار الداخلي وتعميق الانفصال بين الدول ومواطنيها.
لن تنهي الحرب على إيران أسباب التوتر في الإقليم بقدر ما ستعيد إنتاجها بتجليات أكثر عُنفًا. لن تختفي القوى التي توصف بأنها «أذرع» بالقصف، ويغلب أن تتحول إلى بنى أكثر تشددًا وأقل قابلية للاحتواء. ويُظهر التاريخ القريب أن تفكيك التوازن بالقوة لا يخلق فراغًا محايدًا مستقرًا، وإنما يصنع فوضى فحسب. وقبل التحدث عن قطع «أذرع»، ينبغي التفكير أولًا في الأسباب البيو-جيو- سياسية التي أنبتت هذه الأذرع وتمدها بأسباب الحياة.
لا ينبغي أن يريد العرب هذه الحرب لأنها تُشن بوضوح من أجل إعادة ترتيب الهيمنة، وإدارة «الأمن الإقليمي» بحيث يعني بالضبط عدم أمن العرب. ستكون حربًا تُدار على أرض العرب، كلفتها استقرار العرب، ونتائجها إضعاف السيادة، وإغلاق السياسة، وفتح قمقم يغلب أن يتحرر منه جني غير خَدوم أو قابل للتوقع.







