الدعجة يكتب: سيناريوهات الحرب الأميركية على إيران وتداعياتها الإقليمية
حسن الدعجة
في ظلّ تصاعد التوترات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، تبرز احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها من أخطر القضايا التي تشغل صُنّاع القرار والمحللين الإستراتيجيين. ورغم هذا التصعيد، شهدت المرحلة الأخيرة مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين عُقدت في تركيا، في محاولة لخفض التوتر وبحث ملفات الخلاف، خاصة المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات. ولاحقًا، جرى نقل مسار هذه المفاوضات إلى سلطنة عُمان، نظرًا لدورها التقليدي كوسيط محايد يحظى بقبول الطرفين. ويعكس هذا التحرك الدبلوماسي إدراك الجانبين لخطورة المواجهة العسكرية، وأن الصراع لا يقتصر على خيار الحرب، بل يشمل مسارات تفاوضية متدرجة تهدف إلى الاحتواء وتجنّب التصعيد.
من هذا المنطلق، تسعى هذه السيناريوهات إلى تحليل أشكال الحرب الأميركية على إيران، بدءًا من المواجهة المحدودة، مرورًا بالحرب الإقليمية غير المباشرة، وصولًا إلى احتمال الحرب الشاملة. ويهدف هذا الطرح إلى توضيح أبعاد كل سيناريو، وبيان انعكاساته السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما يساعد على فهم تعقيدات الصراع وخطورته على المنطقة والعالم.
السيناريو الأول: حرب محدودة ودقيقة (الضربات الجراحية).
في هذا السيناريو، تدخل الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية محدودة ومخطط لها بدقة مع إيران، دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو طويلة الأمد. ويرتكز هذا النمط من الصراع على تنفيذ ضربات جوية وصاروخية عالية الدقة تستهدف منشآت نووية مختارة، أو قواعد صاروخية، أو مراكز قيادة وسيطرة عسكرية، مع الحرص على تجنّب البنية التحتية المدنية والمناطق السكنية الكبرى، بهدف تقليل الخسائر البشرية والضغط الدولي.
الهدف الأساسي من هذا السيناريو هو تحقيق الردع وإعادة رسم الخطوط الحمراء، وليس إسقاط النظام الإيراني أو احتلال أراضٍ. وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذه الضربات إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية النوعية، ولا سيما تلك المرتبطة بالبرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، إضافة إلى توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي تهديد مباشر للمصالح الأميركية أو لحلفائها سيُواجَه برد قوي ولكن محسوب.
في المقابل، قد تلجأ إيران إلى ردود محدودة وغير مباشرة، مثل استهداف قواعد أو مصالح أميركية في المنطقة عبر حلفائها، أو تنفيذ هجمات سيبرانية وإلكترونية، مع تجنّب المواجهة المباشرة. ويُعد هذا السيناريو الأقل كلفة نسبيًا من حيث الخسائر البشرية والاقتصادية، إلا أنه يظل محفوفًا بخطر التصعيد غير المقصود، إذ إن أي خطأ في التقدير أو سوء فهم قد يحوّل الضربات الجراحية إلى صراع أوسع يصعب احتواؤه.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية واسعة (حرب بالوكالة).
السيناريو الثاني يفترض تطور الصراع إلى حرب إقليمية شاملة، لا تقتصر على المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بل تمتد إلى عدة دول في الشرق الأوسط. في هذا السياق، تستخدم إيران شبكة حلفائها الإقليميين في العراق ولبنان واليمن لشن هجمات على المصالح الأميركية وحلفائها، بينما ترد الولايات المتحدة بدعم عسكري مباشر وغير مباشر لقوى معادية لإيران.
هذا النوع من الحروب يُعرف بـ «الحرب بالوكالة»، حيث تصبح المنطقة بأكملها ساحة صراع. قد تتعرض الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز، للتهديد، ما يؤدي إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط. كما قد تشهد دول الجوار عدم استقرار أمني واسع نتيجة الضربات المتبادلة.
رغم أن هذا السيناريو يحقق لإيران نوعًا من توازن الردع عبر توسيع ساحة المعركة، إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي والاقتصادي. أما الولايات المتحدة، فستواجه تحديًا إستراتيجيًا يتمثل في إدارة صراع طويل ومكلف، قد يضعف نفوذها الدولي ويستنزف مواردها العسكرية. هذا السيناريو هو الأخطر على مستوى المنطقة، لأنه يهدد بتحويل نزاع ثنائي إلى أزمة إقليمية مزمنة.
السيناريو الثالث: حرب شاملة مباشرة (تغيير قواعد اللعبة).
السيناريو الثالث هو الأكثر تطرفًا، ويفترض اندلاع حرب شاملة ومباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. في هذا الاحتمال، تتوسع العمليات العسكرية لتشمل ضربات مكثفة على نطاق واسع، تشمل القواعد العسكرية، وشبكات القيادة والسيطرة، والبنية التحتية الإستراتيجية، وربما منشآت حيوية داخل العمق الإيراني.
قد يكون هدف هذا السيناريو إضعاف النظام الإيراني بشكل جذري أو فرض شروط سياسية جديدة بالقوة. إلا أن هذا الخيار يحمل كلفة هائلة؛ فإيران تمتلك قدرات عسكرية غير تقليدية، تشمل الصواريخ بعيدة المدى، والحرب السيبرانية، وقدرة على إغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى قدرتها على تحريك حلفائها في المنطقة بشكل واسع.
النتائج المتوقعة لمثل هذه الحرب ستكون كارثية على المستويين الإقليمي والدولي. فإلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة، قد يشهد الاقتصاد العالمي اضطرابات غير مسبوقة، وقد تتدخل قوى دولية أخرى سياسيًا أو عسكريًا، ما يزيد من تعقيد الصراع. لذلك، يُنظر إلى هذا السيناريو على أنه خيار أخير لا يُلجأ إليه إلا في حال انهيار كل المسارات الدبلوماسية.
تُظهر هذه السيناريوهات الثلاثة أن أي حرب تشنّها الولايات المتحدة على إيران، مهما كان حجمها أو شكلها، لن تكون بلا ثمن سياسي أو اقتصادي أو إنساني. فالانتقال من الضربات المحدودة إلى الحرب الإقليمية أو المواجهة الشاملة يحمل مخاطر متزايدة قد تتجاوز حدود الطرفين لتطال أمن واستقرار المنطقة بأكملها. كما أن تعقيد التوازنات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية يجعل من الصعب التنبؤ بمآلات أي صراع مسلح. لذلك، تبقى الدبلوماسية والردع المتبادل، إلى جانب الحوار السياسي، الخيارات الأقل كلفة والأكثر عقلانية لتجنّب حرب طويلة الأمد قد تترك آثارًا عميقة تمتد لسنوات على المستويين الإقليمي والدولي.







