الكشكي يكتب: الأساطيل وخطاب الذاكرة
جمال الكشكي
قبيل انهيار المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط، تتحرك الدبلوماسية الصامتة خلف الجدران الصماء لمحاولة منع الكارثة، فيما دفعت الولايات المتحدة بأكبر حشد نيراني في تاريخها الحديث إلى محيط إيران، حشد يتجاوز في كثافته وانتشاره ما جرى في عاصفة الصحراء عام 1991، ويتفوق على التحشيد الذي سبق غزو العراق عام 2003، وفي لحظة مشبعة بالتناقض يعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الترسانة تحركت فعليا، ثم يستدرك قائلا إنه يريد المفاوضات لا الحرب، مفاوضات تحت عنوان سلام القوة لا أكثر.
هذا الحشد لا يجري في فراغ، فالدول الوازنة في المنطقة تتحرك بقلق حقيقي، لأن الشرر المتطاير لا يهدد طرفا واحدا، ودول الخليج لا تنظر بارتياح إلى الغموض الأميركي، بينما تندفع إسرائيل نحو أبواب حرب لا مبرر استراتيجيا لها ولا خطر وجودي يفرضها، سوى عقيدة التوسع التي تحكم اليمين الإسرائيلي، عقيدة إسرائيل الكبرى، في وقت تتسع فيه التظاهرات في قلب أوروبا ضد الإبادة وضد مشروع التوسع، بما يكشف فجوة أخلاقية وسياسية غير مسبوقة بين الشارع الغربي ومؤسساته الحاكمة.
يريد ترامب عملية قصف شاملة وسريعة، لكن الوقائع تقول إن الحرب إذا اندلعت فلن تكون خاطفة، ولن تكون محدودة، وستصيب النظام الدولي كله بارتدادات عميقة، وربما تتحول إلى لحظة فاصلة تعيد تشكيله حتى وهو يعيش فوضى مفتوحة بالفعل، وعلى الضفة الأخرى تتكثف اتصالات عربية إيرانية لتوحيد المواقف ضد اندلاع حرب عبثية، وتبدو المفاوضات حول النووي الإيراني، رغم تعقيدها، المسار الوحيد الممكن لتجنيب المنطقة الانفجار، كما أن اتصالات الرئيس الإيراني مع أطراف فاعلة في الإقليم توحي بمحاولة حثيثة لعزل شبح الحرب عن المجال العربي.
في هذا السياق المتوتر، وبعيدا عن هدير الأساطيل، تدور معركة موازية داخل الولايات المتحدة، معركة سياسية وإعلامية فجرتها ضجة غير مسبوقة حول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، بعد منشور له في ذكرى المحرقة، اكتفى فيه بالحديث عن ملايين الأرواح التي أزهقت وعن دروس أخلاقية عامة من أحلك فصول التاريخ، دون أن يذكر صراحة أن الضحايا كانوا من اليهود، أو أن الجناة كانوا من النازيين.
الهجوم كان واسعا ومنظما، قادته منظمات يهودية بارزة مثل أوقفوا معاداة السامية واللجنة الديمقراطية اليهودية الأميركية، واعتبرتا أن الصياغة تنطوي على طمس متعمد للحقيقة التاريخية، وذهب حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو إلى أبعد من ذلك، واصفا ما جرى باليوم الحزين، ومتهما فانس بالعجز المتعمد عن الاعتراف بطبيعة الجريمة، بل وربط موقفه بسجل سابق من التساهل مع تيارات يمينية متطرفة في أوروبا وداخل الولايات المتحدة.
في المقابل، رد مكتب نائب الرئيس باتهام المنتقدين بمحاولة توظيف سياسي مفتعل، مشيرا إلى أن مسؤولين أميركيين آخرين استخدموا صياغات مشابهة في المناسبة نفسها، كما ظهرت أصوات يهودية رأت أن الهجوم مبالغ فيه، مع اعترافها بأن المنشور كان إشكاليا، لكن اللافت أن هذه الضجة انفجرت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد التوترات مع إيران، وتتسع الفجوة داخل المؤسسة الأميركية نفسها حول كلفة الحرب وتداعياتها.
هنا يطرح السؤال نفسه، هل كان الهجوم على فانس مجرد خلاف لغوي وأخلاقي، أم أنه أداة ضغط سياسية داخلية، تهدف إلى ضبط أي انحراف محتمل في خطاب الإدارة الأميركية، أو تحجيم أي صوت قد يبدو أقل انسجاما مع الرواية الإسرائيلية الكاملة، في لحظة تستعد فيها واشنطن لخيار عسكري بالغ الخطورة؟
يرى مراقبون أن مفهوم معاداة السامية بات يستخدم في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي بشكل مفرط، وتحول في كثير من الأحيان إلى أداة وظيفية تخدم إسرائيل والمنظمات الداعمة لها، أكثر مما تعكس حرصا حقيقيا على مكافحة الكراهية العنصرية، ويشيرون إلى أن التهمة تستخدم منهجيا لإسكات الأصوات المنتقدة لإسرائيل، وتجريم أي اعتراض على سياساتها، حتى عندما يكون هذا الاعتراض إنسانيا أو قانونيا، وهو ما ظهر بوضوح في قمع التظاهرات الواسعة المناهضة لحرب الإبادة على غزة، حيث جرى تصوير الاحتجاج ضد القتل الجماعي وجرائم الحرب على أنه كراهية لليهود.
من هذا المنظور، تبدو قصة الأساطيل الأميركية المتجهة نحو إيران، وقصة الهجوم على جي دي فانس، جزءا من مشهد واحد، مشهد إدارة أميركية تحاول الموازنة بين اندفاع عسكري خطير، وضغوط داخلية إسرائيلية الطابع، ومعركة خطابية تهدف إلى ضبط السردية، ومنع أي تشقق فيها، حتى لو كان على مستوى الكلمات، ففي لحظات ما قبل الحرب، تصبح اللغة سلاحا مكملا للبارود.







