الدعجة يكتب: إيران وواشنطن وتل أبيب.. معادلة التصعيد والردع
حسن الدعجة
في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، تبرز احتمالات المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بوصفها أحد أخطر التحديات الجيوسياسية التي تواجه الإقليم في المرحلة الراهنة. فهذه المواجهة المحتملة لا تنبع فقط من تراكم الأزمات السياسية والعسكرية، بل من تعقّد بنية الصراع نفسه، وتشابك الملفات الأمنية والاستراتيجية، وما يرافق ذلك من تحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية.
تتعمق هذه الاحتمالات في ضوء الخطاب الأميركي المتشدد، ولا سيما الشروط الصارمة التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعودة إلى مسار التفاوض مع إيران، والتي تعكس مقاربة تقوم على الضغط الأقصى بوصفه أداة لفرض تسوية شاملة وليست جزئية، إذ ترتكز هذه الشروط على معادلة واضحة مفادها وقف التصعيد العسكري والسياسي مقابل الدخول في مفاوضات واسعة النطاق، لا تقتصر على الملف النووي الإيراني، بل تمتد لتشمل تفكيك البرنامج النووي برمته، وفرض قيود دائمة على تطوير الصواريخ البالستية، إضافة إلى إنهاء أو تقليص الدور الإقليمي للأذرع الإيرانية في عدد من ساحات الشرق الأوسط.
ومن منظور واشنطن وتل أبيب، تمثل هذه الملفات منظومة واحدة مترابطة، لا يمكن فصلها عند البحث في سلوك إيران الإقليمي أو في مصادر التهديد التي تشكلها. وتُعد هذه المطالب، وفق هذا التصور، مدخلًا ضروريًا لإعادة ضبط ميزان الردع في المنطقة، ومنع إيران من استثمار قدراتها النووية والصاروخية وشبكات نفوذها الإقليمي للتحول إلى قوة مهيمنة قادرة على فرض وقائع استراتيجية جديدة. كما تعكس هذه الشروط سعيًا أميركيًا–إسرائيليًا لإرساء قواعد اشتباك أكثر صرامة، تقلص هامش المناورة الإيرانية، وتحد من قدرتها على استخدام أدوات غير تقليدية لفرض نفوذها الإقليمي.
في المقابل، يتمسك الموقف الإيراني برفض هذه الشروط جملةً وتفصيلًا، انطلاقًا من اعتبارها مساسًا مباشرًا بالسيادة الوطنية وبمرتكزات الأمن القومي الإيراني، ومحاولة لفرض إملاءات خارجية تتجاوز منطق التفاوض المتكافئ. فطهران ترى في برنامجها النووي، رغم تأكيدها المتكرر على طابعه السلمي، ورقة استراتيجية لا يمكن التفريط بها تحت الضغط أو العقوبات، إذ يمثل من وجهة نظرها إنجازًا سياديًا وعلميًا، وأداة تفاوضية أساسية في مواجهة القوى الغربية.
كما تنظر إيران إلى منظومة الصواريخ البالستية بوصفها عنصرًا محوريًا في عقيدتها الدفاعية، وأداة ردع لا غنى عنها في بيئة إقليمية تتسم بالعداء وعدم التوازن العسكري، لا سيما في ظل التفوق النوعي الذي يتمتع به خصومها، وعلى رأسهم إسرائيل، والدعم العسكري المتواصل الذي تتلقاه من الولايات المتحدة. وترى القيادة الإيرانية أن أي تنازل في هذا الملف من شأنه إضعاف قدرتها على الردع وفتح الباب أمام ضغوط أمنية أكبر.
أما فيما يتعلق بالأذرع الإقليمية، فيقدّم الخطاب الإيراني هذه الشبكات باعتبارها امتدادًا لنفوذ سياسي وأمني مشروع، ووسيلة دفاع متقدمة تهدف إلى حماية المصالح الإيرانية خارج حدودها، ومنع نقل الصراع إلى الداخل الإيراني. وبناءً على ذلك، ترفض طهران إدراج هذه الملفات ضمن أي تفاوض شامل، معتبرة أن ذلك يستهدف تقويض دورها الإقليمي وإعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط على حسابها.
هذا التباعد الحاد في المواقف يجعل فرص التسوية السريعة محدودة، ويُبقي المنطقة في حالة توتر مزمن قابل للاشتعال في أي لحظة. وتزداد خطورة هذا الوضع مع استمرار سياسة “حافة الهاوية”، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى تعزيز الردع من دون الانجرار إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته ترفع منسوب المخاطرة عبر خطوات محسوبة قد تؤدي، في حال سوء التقدير، إلى تصعيد غير مقصود.
ولا تقتصر تداعيات هذا الصراع المحتمل على البعد العسكري المباشر، بل تمتد إلى أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات البحرية الحيوية، خصوصًا في الخليج العربي وبحر العرب. كما أن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتفاقم الضغوط الاقتصادية على الدول المستوردة، فضلًا عن انعكاساته على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
في هذا السياق، تبرز أهمية القراءة الاستشرافية الواقعية التي تتجاوز الخطاب الإعلامي التصعيدي أو الرهانات الأحادية. ففهم سلوك الفاعلين الرئيسيين، وحدود الردع المتبادل، ومستويات المخاطرة المقبولة لكل طرف، يشكّل مدخلًا أساسيًا لتقدير اتجاهات الصراع. وتشير هذه القراءة إلى أن جميع الأطراف، رغم خطابها الحاد، تدرك الكلفة الباهظة لأي مواجهة شاملة، وتسعى، بدرجات متفاوتة، إلى إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها.
غير أن هذا الإدراك لا يلغي مخاطر الانزلاق، خاصة في ظل تعدد ساحات التماس، وتداخل الفاعلين من دول وجماعات مسلحة، وتراجع فاعلية بعض قنوات الاتصال غير المباشرة. كما أن الضغوط الداخلية على صناع القرار، سواء في إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، قد تدفع أحيانًا نحو قرارات أكثر تشددًا، تُقدَّم للرأي العام بوصفها ضرورة لحفظ الردع والهيبة.
في المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف عند مفترق طرق دقيق، يتأرجح بين مسار احتواء متوتر قابل للاستمرار، ومسار تصعيدي يحمل في طياته مخاطر واسعة النطاق. ويظل العامل الحاسم في المرحلة المقبلة هو قدرة الأطراف على إدارة هذا التوتر بحسابات دقيقة، وتفعيل أدوات الدبلوماسية غير المباشرة، وتجنب القرارات الانفعالية التي قد تحول أزمة معقدة، لكنها قابلة للاحتواء، إلى صراع مفتوح يصعب التحكم في تداعياته إقليميًا ودوليًا.







