الساكت يكتب: لماذا عمرة اقتصاديا؟
موسى الساكت
استهل رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان حديثه حول المدينة الجديدة في الورشة التي عقدت في رئاسة الوزراء بجملة من النقاط الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها عند أي نقاش اقتصادي جاد.
فالمدينة، كما أوضح، ليست بديلا عن العاصمة عمّان، بل امتدادٌ لها، وجاء اختيار موقعها على أرض مملوكة بالكامل للخزينة العامة، وهي الأرض الوحيدة من هذا النوع، على مسافات مناسبة من عمّان والزرقاء والمطار.
الأهم في حديث الرئيس كان التوقعات السكانية؛ إذ تشير الدراسات إلى أن عدد السكان بين عمّان والزرقاء قد يتجاوز 8 ملايين نسمة خلال السنوات العشر القادمة. هذا النمو السكاني الهائل لا يمكن استيعابه بالأدوات التقليدية أو عبر التوسع العشوائي، بل يحتاج إلى مدينة جديدة مخططة تستوعب الطلب على السكن، العمل، والخدمات، وتخفف الضغط عن البنية التحتية الحالية.
اقتصاديا، لا بد أن تُبنى المدينة الجديدة على مبدأ التكامل لا التنافس مع المدن القائمة. المطلوب ليس نقل النشاط الاقتصادي، بل خلق قيمة مضافة جديدة.
من هنا تبرز أهمية تحديد الوظيفة الاقتصادية للمدينة منذ البداية، والتركيز على احتياجات الاقتصاد الوطني وآليات جذب الاستثمارات قد يكون من أكبر التحديات.
أحد أهم المرتكزات هو تطوير ما يُعرف بسياحة المعارض والمؤتمرات.
تجربة دبي مثال حي على كيف يمكن للمعارض الدولية أن تتحول إلى محرّك اقتصادي ضخم، يخلق فرص عمل، ويحفز قطاعات النقل، والفنادق، والخدمات.
وجود مدينة معارض متخصصة سيضع الأردن على خريطة هذا النوع من السياحة الإقليمية.
كما أن مبدأ "التعقيد الاقتصادي" يجب أن يكون حاضرا بقوة، من خلال بناء اقتصاد العناقيد (Cluster Economy)، بحيث تتجمع الصناعات والخدمات المتكاملة في بيئة واحدة، ما يرفع الإنتاجية ويعزز الابتكار. لكن هذا لن ينجح دون تخفيض كلف ممارسة الأعمال (Cost of Doing Business)، عبر بنية تحتية حديثة، وإجراءات مرنة، وخدمات حكومية ذكية. ولا يمكن إغفال أهمية ما يُسمى بالمشاريع القاطرة (Anchor Projects)، كالمستشفيات المتخصصة، والجامعات، والمراكز البحثية، التي تشكل نقطة جذب طبيعية للسكان والمستثمرين. إلى جانب ذلك، لا بد من حوافز ذكية، سواء سكنية أو ضريبية أو تشغيلية، تجعل الانتقال إلى المدينة الجديدة قرارا اقتصاديا منطقيا. الخلاصة أن بإمكاننا نظريا رسم أرقى الأحلام وصياغة أعمق النظريات، لكن الأساس الحقيقي لنجاح عمارة المدينة الجديدة “عمرة” يجب أن ينطلق من الاقتصاد. فحين ننجح في بناء اقتصاد قوي وجاذب، سيأتي المستثمرون، ويستقر السكان، وستتبع العمارة ذلك بشكل طبيعي، أما العكس فسيبقيها مدينة بلا روح.







