العايدي يكتب: الوعي الوطني (2): لماذا صمد الأردن رغم العواصف الإقليمية؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


يصبح هذا السؤال مجدياً وعميقاً، حين يصير السقوط عادة والصمود استثناء، عندها ندرك أننا أمام ظاهرة لا تفهم بلغة السياسة اليومية، ولا تختزل في موازين القوة وحدها، بل تحتاج إلى قراءة أعمق تتجاوز الوقائع والأحداث إلى المعاني والأفكار، فالأردن لم يصمد لأنه كان الأقوى عسكرياً، ولا لأنه الأغنى اقتصادياً، ولا لأنه الأشد نفوذاً إقليمياً، إنما صمد لأنه – منذ نشأته- بني بوعي، وعي بمحدودية الموارد، وخطورة الموقع وتعقيد الجوار، ووظيفة الدولة في منطقة تمر بانهيارات متسارعة وأحداث كبيرة تجعلها غير مستقرة.
 

الدول التي انهارت من حولنا كانت تملك عناصر القوة، ولكنها كانت تفتقر إلى معنى جامع للوطن، وإلى عنصر الوعي العميق بمجريات الأمور وتقديرها، مما أدى إلى تفككها من الداخل، أما الأردن فقد تأسس على فكرة واضحة: أن يكون دولة توازن لا دولة صدام، يعرف متى يقول «نعم» أو «لا» حتى وهو محاطة بالضغوط الكبيرة.
ومن هنا فإن الفلسفة السياسية تؤكد أن الدول لا تبقى بالقوة، بل بحنكة ساستها، فخطاب الملك دائماً ما يتحدث عن «الدولة الممكنة» بخطاب متزن، لا الدولة المثالية بشعارات بعيدة عن الواقع، فالفكرة التي قامت عليها الدولة الأردنية لم تكن فكرة توسع ولا سيطرة، بل فكرة «وظيفية حضارية»، تحفظ التوازن والاستقرار في محيط مشتعل، ولا تسعى لتراكم القوة أو تصدير الصراع لدول أخرى، كما أنها تؤدي دوراً أخلاقياً في خدمة القيم الإنسانية الكبرى، فهي نموذج الدولة التي يمكن أن تبقى من غير أن تتحول إلى ساحة حرب، وهذا ما جعل شرعيتها لا تستند إلى القهر، بل إلى القبول الداخلي والخارجي. 
كما أن أحد أسرار الصمود هو إدارة الاختلاف دون كسره، فلم يكن الأردن دولة خالية من التعدد أو التوتر، لكنه لم يسمح للاختلاف أن يتحول إلى مواجهة بين أبنائه، ولا للتنوع أن يصبح مشروعا تفكيك، ومن ذلك وعيه المبكر لخطورة خلط الدين بالتنافس أو الصراع السياسي، فلم يفصل الدين عن الحياة، بل منع من استخدام السياسي اسم الدين كأداة لتحقيق المكاسب أو إقصاء الخصوم، فحمى الدين من أن يختطف لصالح حزب أو جماعة، وحفظ المجتمع من انقسام ديني حاد، وأبقى على مرجعيته الجامعة، فكانت الدولة- في لحظاتها الحرجة- حارساً للتوازن، لا طرفا في الاستقطاب، وهو الدور الأصعب مع أنه قد يكون الأقل شعبية، لكنه الأكثر بقاء وصموداً.
والأهم من ذلك أن السياسة الأردنية لم تبن على ردود الأفعال، وإنما على الدراسة الجادة للعواقب، في منطقة تدار فيها القرارات الكبرى تحت ضغط الشارع، اختار الأردن أن يدير الأمور بعقلية الدولة، لا بالعاطفة المؤقتة، وفي لحظات تاريخية فارقة اختار أن يبقى واقفاً في المنطقة الرمادية الصعبة وتحمل التبعات، بدل أن يسقط في تطرف المواقف أو تهور القرارات، أو الانجرار إلى أي صراع على حساب أمن الدولة واستقرارها، وهذا ما جعل الكثيرين يخطئون في فهمه، فيتهمونه بالبرود أو الحياد، بينما كان في الحقيقة بقاء حكيماً، يمارس فيه أكثر أشكال المسؤولية صعوبة.
كما كان للمواطن الأردني دوراً كبيراً في صمود الدولة الأردنية، رغم الضغوط الاقتصادية والاختناقات الاجتماعية لم يتحول إلى أداة هدم، بل بقي محافظاً على الحد الأدنى من الوعي الجمعي، بأن الدولة ضرورة أخلاقية، ومصلحة جماعية لا يجوز المساس بها، وبأن انهيارها ليس انتصاراً لأحد، وأن الفوضى تضاعف الظلم ولا تحقق العدل، هذا الإدراك الواعي للأغلبية كان أحد أهم عوامل البقاء.
لقد صمد الأردن لأن دولته لم تكن مشروع مغالبة، بل مشروع احتواء، ولم تكن دولة شعارات رنانة كما كانت عليه كثير من الدول التي سقطت وتفككت، بل دولة تحسب النتائج والمآلات بكل دقة وثبات، ماذا نكسب؟ وماذا نخسر؟ وماذا نخاطر؟ وماذا نحمي؟ هذه الأسئلة التي لا ترفع في الميادين، هي التي صنعت الفرق بين دولة بقيت ودولة احترقت، وفي زمن ما تزال فيه العواصف مفتوحة على احتمالات أخطر، يبقى السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا صمد الأردن؟ بل هل نملك الوعي الكافي لنحافظ على أسباب صموده؟

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية