التل يكتب: صاحب الجلالة في زمن اللا جلال : قيادة الأردن عندما انقلب العالم رأساً على عقب
د.مصطفى التل
في منعطف تاريخي حاسم، يحل عيد الميلاد الرابع والستون للملك عبد الله الثاني بن الحسين، وسط مشهد عالمي وإقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه المصالح وتتصادم.
تزامنت مسيرة املك الطويلة مع حقبة شهدت تحولات جيوسياسية زلزالية، واجه خلالها الأردن تحديات وجودية لا تُعد، بدءاً من حروب متتالية على تخومه، ومروراً باضطرابات داخلية إقليمية هزت أركان الشرق الأوسط، و ليس انتهاءً بتغير النظام الدولي نفسه.
مهمة قيادة مملكة محدودة الموارد، محاطة ببؤر صراع، مهمة أشبه بقيادة سفينة في إعصار, لم تكن العواصف التي واجهها الأردن عسكرية وأمنية فحسب، بل كانت اقتصادية وديمغرافية وهوية أيضاً، حيث شكل موقع البلاد الجغرافي على مفترق طرق العالم نقطة قوة تاريخية تتحول أحياناً إلى عبء ثقيل في زمن الاضطراب.
السنوات الأولى من حكم الملك عبد الله الثاني شهدت نهاية حقبة ما بعد الحرب الباردة وبداية عصر الهيمنة الأمريكية الأحادية، والتي سرعان ما اصطدمت بواقع الشرق الأوسط المعقد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر , وجد الأردن نفسه، بعلاقته الوثيقة مع الغرب وتاريخه السياسي المتوازن، في قلب العاصفة.
غزو العراق عام 2003 وما أعقبه من فوضى وانهيار لدولة مجاورة، فتح باباً لجحيم استمر لسنوات، تدفق عبره الإرهاب واللاجئون وعدم الاستقرار نحو الحدود الأردنية, لم يكن الرد مجرد تعزيز أمني، بل كان أيضاً عملاً دبلوماسياً دؤوباً للحفاظ على دور الأردن كصوت عقلاني وسط صراع طائفي ومذهبي مزق جسد الأمة العربية.
ثم جاءت رياح الربيع العربي عام 2011، حاملةً معها آمالاً بالتغيير ومخاوف من المجهول , سقطت أنظمة واهتزت عروش، ولكن تمكن الأردن من عبور المرحلة ، تجنب السقوط في هاوية الفوضى أو الجمود، محافظاً على نسيجه الاجتماعي من التمزق.
التحدي الأكبر الذي لا يزال يرخي بظله الثقيل حتى اليوم، كان الحرب في سوريا , حولت هذه المأساة الإنسانية والسياسية الأردن إلى خط أمامي مباشر, فتحت الحدود الشمالية لاستقبال موجات بشرية هاربة من الموت، ليصبح الأردن ثاني أكبر دولة مستضيفة للاجئين في العالم نسبة لعدد سكانه.
هذا القرار الإنساني المتجذر في الثقافة الهاشمية والعربية والإسلامية جاء بتكلفة اقتصادية واجتماعية هائلة، وضغط غير مسبوق على الموارد المحدودة أصلاً، من مياه إلى مدارس ومستشفيات , متزامنة مع حدود ملتهبة بحيث أصبحت ساحة لتهديدات أمنية وجودية، من تنظيمات إرهابية تسعى لاختراق المملكة إلى تدخلات قوى إقليمية ودولية متصارعة جعلت من الأردن جزيرة في بحر من النزاعات بالوكالة.
على الصعيد الدولي، شهد عهد الملك عبد الله الثاني تحولاً في النظام العالمي من أحادية القطب إلى نظام تكثر فيه قوى إقليمية ودولية طامحة لتعدد القطبية العالمية ، مع تراجع النفوذ الأمريكي التقليدي في المنطقة، وصعود الصين وروسيا، كلها عوامل أعادت تشكيل خريطة التحالفات.
في هذه البيئة المتقلبة، كان على الدبلوماسية الأردنية أن تعمل ببراعة فائقة, حافظ الأردن على تحالفه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وهو عماد الأمن والمساعدة الاقتصادية، دون أن يصبح طرفاً في أي محور ضد آخر.
بنى جسوراً مع القوى الأوروبية، وحافظ على علاقات متينة مع الخليج العربي الحيوي اقتصادياً، وفتح قنوات مع موسكو وبكين، ومارس دور الوسيط الثقة في قضايا إقليمية عدة.
التحدي الدبلوماسي الأصعب بقي يتمثل في القضية الفلسطينية، وهي قضية مركزية للهوية الأردنية والأمن الوطني , في وجه مخططات الضم والتغيير الديمغرافي، وقف الأردن كحصن دفاع عن القدس والمقدسات، مستخدماً كل رصيده الدبلوماسي في العواصم العالمية للحفاظ على حل الدولتين، رغم تبدد الأمل وتحول القضية إلى ورقة في صراعات إقليمية أكبر.
اليوم، والأردن يدخل عامه الخامس بعد المئة، لا تزال التحديات قائمة، بل وقد تطورت, أصبحت الأزمة الاقتصادية العالمية، وتداعيات الحرب في أوكرانيا على الغذاء والطاقة، تهديداً جديداً يضاف إلى قائمة طويلة مع منافسة محتدمة بين القوى الكبرى تعيد رسم تحالفات المنطقة، والسلام الإقليمي يبدو أكثر بعداً من أي وقت مضى.
في عيد ميلاده الرابع والستين، تظهر حصيلة مسيرة الملك عبد الله الثاني في قدرة الأردن المذهلة على الصمود, صمود لم يكن مجرد بقاء، بل كان محافظة على الكرامة الإنسانية في استضافة الملايين من اللاجئين، ومحافظة على الاعتدال في زمن التطرف، ومحافظة على صوت العقل في زمن الصراخ.
القيادة هنا لم تكن في التغلب على التحديات – فالكثير منها أكبر من أي دولة – بل كانت في الإدارة الواقعية لها، وعدم الاستسلام للانكفاء أو الهلع، والسير بهدوء وثبات على حبل مشدود فوق هاوية إقليمية، حاملين راية بلد يحاول يومياً أن يثبت أن للاستقرار قيمة، وللوسطية مكان، حتى في أكثر الأوقات ظلمة.







