التل يكتب: غزة والمعادلة المستحيلة: كيف حوّل الصمود الكارثي في زمن الدمار مسار الصراع إلى الأبد

{title}
أخبار الأردن -

 

د.مصطفى التل

بين الركام والفقدان، تحت أنقاض المباني التي تحولت رماداً وبين أرواح الأطفال التي ارتفعت شهداء، تكتب غزة فصلاً جديداً من فصول الصمود الإنساني الذي يتحدى منطق القوة التقليدي.

ما يبدو للعالم كارثة إنسانية غير مسبوقة هو في حقيقته تحول استراتيجي عميق في صراع ظن كثيرون أنه تجمد في زمن الهزائم.

غزة لم تنتصر بالمعنى العسكري الكلاسيكي، لكنها حققت ما فشلت فيه جيوش ودبلوماسيات عبر عقود : كسرت القواعد وأعادت صياغة المعادلة من أساسها، وكشفت هشاشة الجيش الذي لا يُقهر في الوقت نفسه.

 

العجز المختبئ خلف الدمار والانتصار المختبئ خلف الثمن
على المستوى التكتيكي، نجحت المقاومة في تحويل الجغرافيا الصغيرة إلى كابوس للجيش الأقوى في المنطقة. 
اختراق الأسوار الإلكترونية في 7 أكتوبر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان تحطيماً لأسطورة كاملة بنيت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية لعقود.
هذا كان مجرد البداية, الحرب التي تلت الحدث  كشفت عجزاً إسرائيلياً مذهلاً: 
تسعة أشهر من القتال لم تحقق الهدف الأساسي المتمثل في القضاء على المقاومة.

حرب الأنفاق حولت باطن الأرض إلى متحف للصمود، حيث تحول كل نفق إلى شاهد على إبداع المقهور في مواجهة تقنيات القاهر. 
إسرائيل، التي تتباهى باكتفائها العسكري، وجدت نفسها بعد أيام معدودة تُسرع بطلب 14 مليار دولار كدفعة أولى من الذخائر الأمريكية، وتستضيف مستشارين أمريكيين في غرف عملياتها. 
ليست مجرد مناورة عسكرية، بل كانت تفكيكاً منهجياً لصورة الجيش الذي لا يُقهر، واعترافاً صارخاً بأنها عاجزة عن حسم المعركة وحدها.
جوهر التغيير الحقيقي تم على المستوى الاستراتيجي، حيث نجحت غزة في قلب الطاولة الجيوسياسية رأساً على عقب وهي تدفع أثمن الأثمان , حوّلت الصراع من قضية إقليمية مهمشة إلى اختبار أخلاقي للعالم أجمع. 
الدول التي سارت في ركب التطبيع وجدت نفسها في مأزق تاريخي، والشعوب التي ظنت فلسطين ذكرى من الماضي استيقظت لترى الإبادة مباشرة على شاشات الهواتف. 
المحاكم الدولية التي ظلت لعقود حبراً على ورق بدأت تتحرك، ولو ببطء، نحو مساءلة الاحتلال, حتى اللغة نفسها تغيرت: فلم تعد "الصراع العربي الإسرائيلي" بل "الإبادة الجماعية" و"الفصل العنصري" و"الجريمة ضد الإنسانية" ,  هذا التحول اللغوي هو انتصار لغزة قبل أي انتصار عسكري.

 

إعادة تعريف المشروع الوطني وفرض قواعد جديدة على العالم
على مستوى الهوية الوطنية، ولد من تحت الأنقاض مشروع فلسطيني جديد, سقطت الانقسامات الوهمية أمام بساطة معادلة الحياة والموت. 
لم يعد الحديث عن فتح وحماس بل عن شعب يواجه آلة إبادة.
هذه الوحدة العضوية التي ولدت من رحم المأساة أعادت تعريف المشروع الوطني من أساسه ة: لم تعد فلسطين قضية أراضٍ ومفاوضات، بل أصبحت قضية وجود وحق في الحياة. 
هذا التحول من السياسي إلى الوجودي هو أهم إنجاز استراتيجي، لأنه يعيد الفلسطيني إلى مركز قصته: إنسان يدافع عن حقه في الوجود، لا مفاوضاً على نسبة من أرضه.

امتد هذا التأثير ليغير حتى أكثر العلاقات قداسة في السياسة الدولية, غزة فرضت قواعد جديدة على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: قاعدة الثمن السياسي الداخلي المرتفع التي جعلت الدعم غير المشروط لإسرائيل مكلفاً انتخابياً مع قاعدة الخط الأحمر الإنساني العلني التي دفعت واشنطن لوضع شروط علنية، وليس انتهاءً بقاعدة التقييد المشروط للدعم العسكري. 
الولايات المتحدة وجدت نفسها معزولة في الأمم المتحدة، متمرداً عليها من أقرب الحلفاء، مضطرة للدفاع عن موقف فقد شرعيته الأخلاقية العالمية.


لماذا يخطئ من يرى الهزيمة في الأرقام؟
هنا نصل إلى لب المفارقة: كيف يمكن للطرف الأكثر تضرراً مادياً أن يكون المنتصر استراتيجياً؟!  الإجابة تكمن في فهم طبيعة حروب التحرير غير المتماثلة.

مَن يُصر على أن المقاومة خسرت بناءً على الأرقام المجردة يرتكب خطأً تحليلياً جوهرياً بالخلط بين "الثمن" و"النتيجة".

التاريخ مليء بحروب خسر فيها المنتصرون أعداداً أكبر (فيتنام، أفغانستان). المعادلة بسيطة: إسرائيل (الأقوى) فشلت في أهدافها المعلنة بالقضاء على المقاومة واستعادة الردع، بينما المقاومة (الأضعف مادياً) حققت أهدافها الاستراتيجية في البقاء وتغيير المعادلة السياسية وإعادة القضية للوعي العالمي.

هذا الإصرار على القراءة الخاطئة ينبع من عقلية عسكرية تقليدية لا تفهم حروب التحرير، ومن منظومة فكرية  تحيزية ترفض رؤية انتصار المقاومة لأن ذلك يزعزع منظومتها الفكرية، ومن قصر النظر الزمني الذي يركز على اللحظة الراهنة ويتجاهل مسار التاريخ.


النصر الذي لا تقيسه الأرقام، والفكرة التي لا تقتل بالقنابل

خلقت غزة معادلة ردع جديدة تقوم على فكرة بسيطة عميقة: الاحتلال لم يعد قادراً على حسم أي معركة.
كل جندي إسرائيلي داخل غزة أصبح عبئاً استراتيجياً، وكل دبابة مدمرة تحمل معها أسطورة كاملة، وكل يوم حرب يزيد من التكاليف السياسية والاقتصادية والأخلاقية للكيان المحتل.

أثبتت غزة أن الحرب ليست أرقاماً عسكرية بل معادلات زمن وصمود وإرادة, الشعب الذي يدفع ثمناً بدمه لكل حجر مدمر هو نفسه يكتب بسواعد أبنائه فصول المقاومة.

التحدي الأخلاقي الذي وضعته غزة على طاولة العالم هو انتصارها الأعظم ,  لم تعد القضية الفلسطينية شأناً عربياً أو إسلامياً، بل أصبحت مرآة تعكس إنسانية كل إنسان على هذا الكوكب.

طلاب الجامعات في أوروبا وأمريكا الذين خرجوا بالملايين، والعلماء الذين يعلنون مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية، والموظفون الذين يستقيلون من مناصبهم احتجاجاً، كل هؤلاء أصبحوا جزءاً من معركة غزة,  لقد نجحت غزة في تصدير أزمتها إلى ضمير العالم.

النتيجة التي تفرض نفسها أن غزة، برغم الدمار الشامل، انتصرت حيث كان الانتصار مستحيلاً. 
انتصرت لأنها حوّلت المعركة العسكرية إلى انتصار أخلاقي، والضعف المادي إلى قوة معنوية، والتشتت الجغرافي إلى وحدة مصير.

انتصرت لأنها جعلت من كل شهيد قضية، ومن كل طفل تحت الأنقاض سؤالاً للتاريخ، ومن كل أم ثكلى شاهدة على زمن العار الدولي.

ربما يكون أعظم إنجازات غزة أنها أعادت للعالم إنسانيته المفقودة، ولو للحظة، عندما جعلت الملايين في كل القارات يسألون أنفسهم: مَن نحن إذا سكتنا على هذا؟!
هذا السؤال الذي تزرعه غزة في ضمير الإنسانية هو البذرة التي ستثمر حرية ليس لفلسطين وحدها، بل لكل المضطهدين في الأرض.

غزة لم تعد مكاناً على الخريطة، بل أصبحت فكرة في الضمير العالمي. والفكرة، كما تعلمنا غزة، لا تقتل بالقنابل ولا تُدفن تحت الأنقاض، بل تنمو في قلوب الأحرار في كل مكان، وتكتب النصر الأخير في سجل التاريخ.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية