النقرش يكتب : الدولة العميقة: حكومة الظلّ ومعضلة الإصلاح "

{title}
أخبار الأردن -

 

د: ابراهيم النقرش

في كل دولة، وبغضّ النظر عن شكل نظامها السياسي أو مستوى تطورها الديمقراطي، تظهر ظاهرة تُعرف اصطلاحاً بـ«الدولة العميقة». وهي ليست كياناً دستورياً ولا مؤسسة مُعلنة، بل شبكة غير مرئية من المصالح والنفوذ، تتغلغل في مفاصل القرار وتعمل من خلف الستار، وتؤثر في اتجاه الدولة دون أن تتحمل مسؤولية مباشرة أمام المجتمع أو تخضع للمساءلة العامة. هذه الظاهرة لا تولد فجأة، بل تتكوّن عبر الزمن، وتترسخ كلما طال بقاء الأشخاص أنفسهم في مواقع التأثير، وكلما ضعفت المؤسسية، وغابت المحاسبة، وتحولت الدولة من حكم القانون إلى حكم العلاقات والنفوذ.
يمكن فهم الدولة العميقة بوصفها تحالفاً غير معلن يضم مسؤولين حاليين وسابقين، ونخباً اقتصادية، وشخصيات إدارية وإعلامية، تتقاطع مصالحها عند هدف واحد يتمثل في الحفاظ على الامتيازات ومواقع التأثير، حتى لو تعارض ذلك مع متطلبات الإصلاح السياسي أو الاقتصادي أو مع تطلعات المجتمع. فهي دولة داخل الدولة، لا تحكم رسمياً، لكنها توجه، ولا تظهر في الواجهة، لكنها ترسم الخطوط الحمراء لمسار القرار.
تنشأ هذه الحالة عادة في بيئات يغيب فيها التداول الحقيقي للسلطة، وتضعف فيها الرقابة المؤسسية، ويصبح الخوف من التغيير ثقافة عامة لا مجرد موقف سياسي. كما يسهم الاقتصاد الريعي في تعزيز نفوذها، حين تتحول الموارد والمنافع إلى أدوات للضبط والولاء بدلاً من أن تكون وسائل للتنمية والعدالة. في مثل هذا المناخ، تُقدَّم الدولة العميقة على أنها ضرورة لحماية الاستقرار، بينما تكون في الواقع أحد أهم أسباب تعطّل التحديث واستمرار الأزمات.
ولا تنتمي هذه الشبكات إلى فئة واحدة، بل تتكون من أطراف متعددة تجمعها المصلحة لا التنظيم، ومسؤولين غادروا مناصبهم لكنهم لم يغادروا النفوذ، ونخب اقتصادية مرتبطة بالقرار، وشخصيات اعتادت الانتقال بين المواقع دون مساءلة، إضافة إلى أدوات إعلامية لا تمارس دورها في التنوير بقدر ما تمارس وظيفة التوجيه وصناعة الخوف. هؤلاء لا يجتمعون في غرفة واحدة، لكنهم يتحركون ضمن منطق واحد قوامه الإبقاء على الواقع القائم ومنع أي اختراق حقيقي له.
ويظهر تأثير الدولة العميقة في قدرتها على توجيه مسار الدولة دون أن تكون صاحبة قرار رسمي، فتُعطَّل القوانين قبل صدورها، وتُفرَّغ مشاريع الإصلاح من مضمونها، وتُحاصر الحكومات التي تحاول الخروج عن المألوف، ويُصنَع رأي عام مضاد لأي تغيير حقيقي. فتبدو الدولة وكأنها تتحرك، بينما هي في الحقيقة تدور داخل دائرة مغلقة لا تسمح بالتقدم ولا تعترف بالتراجع.
أما مصالح هذه الشبكات، فهي واضحة في جوهرها، إذ تقوم على الاستمرار لا غير؛ استمرار النفوذ، واستمرار الامتيازات، واستمرار القرب من القرار، والأهم استمرار الحصانة غير المعلنة من المساءلة. فالإصلاح الحقيقي يعني الشفافية، والشفافية تعني السؤال، والسؤال هو الخطر الأكبر على منظومة اعتادت العمل في الظل.
ولمقاومة أي تحول ديمقراطي أو توسيع للحريات، تلجأ الدولة العميقة إلى أدوات متعددة، أبرزها التخويف من الفوضى، والتخوين السياسي، واتهام القوى الإصلاحية والأحزاب والنشطاء بأنهم أدوات خارجية أو تهديد للأمن، إضافة إلى التهويل الإعلامي لكل حدث، مهما كان محدوداً، ليبدو وكأنه خطر وجودي على الدولة. كما يُستَخدم الإرهاق الاقتصادي وسيلة فعالة لإشغال المجتمع بمعيشته اليومية، فالشعب المنهك لا يطالب بالإصلاح بقدر ما يبحث عن النجاة.
والأخطر من ذلك كله هو قدرتها على إيهام النظام السياسي بأنها الحارس الأمين له، فتُقدِّم نفسها باعتبارها خط الدفاع الأخير بينه وبين الشعب، وتنقل إليه صورة مشوهة عن الواقع، تُضخَّم فيها المخاطر وتُخفى فيها الحقائق، فيبدو المجتمع غاضباً على الدوام، وتُصوَّر الأحزاب كخطر، ويُقدَّم الإصلاح على أنه مغامرة غير محسوبة. وبهذه الطريقة يُحاصَر صانع القرار داخل دائرة ضيقة، معزولاً عن نبض الشارع الحقيقي، لا يرى الواقع كما هو، بل كما يُراد له أن يراه.
وقد شهدت تجارب دول عديدة مثل هذه الظاهرة، حيث لعبت الدولة العميقة في بعض البلدان دوراً أساسياً في تعطيل المسارات الديمقراطية لعقود، كما حدث في تجارب معروفة في تركيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، بل إن أشكالاً مختلفة من حكم الظل ظهرت حتى في دول كبرى، حين تغلبت شبكات المصالح على الإرادة الشعبية.
وتنعكس هيمنة الدولة العميقة سلباً على الدولة والمجتمع معاً، فتتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتتراجع المشاركة العامة، وتهاجر الكفاءات، ويتفشى الإحباط، ويتعثر الاقتصاد، وتغيب العدالة الاجتماعية، فتبدو الدولة قوية في ظاهرها، لكنها منهكة من داخلها.
إن الدولة لا تُحمى من شعبها بل تُحمى به، والاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الخوف، بل على الثقة، ولا يصنعه التعتيم، بل الشفافية. فالدولة العميقة قد تنجح في تأجيل التغيير، لكنها لا تستطيع منعه إلى الأبد، لأن التاريخ أثبت أن الدول التي تصالح شعوبها تبقى، أما التي تعاديهم باسم حمايتهم، فإنها تدفع الثمن لاحقاً، ويبقى السؤال مفتوحاً دائماً: هل الشعوب تريد دولة تُدار من الظل، أم دولة يقودها النور؟

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية