خريسات يكتب: رأسمالية التغريدات والصفقات

{title}
أخبار الأردن -

 

رامي خريسات


تحولت السياسة الاقتصادية الأميركية بنيوياً في العقد الأخير، وبلغت ذروتها مع الرئيس ترامب. ركزت ولايته الأولى على شعار «أميركا أولاً» وتوطين الصناعة، بينما انتقلت ولايته الثانية نحو الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الفائقة، ومنطق الصفقات، مستخدمةً  في كثير من الأحيان «الإكراه الاقتصادي» للدول الواقعة ضمن الرادار الأميركي.
 

لم يكن هذا التحول مجرد تعديل في الأولويات، بل تجسيدًا لنموذج اقتصادي جديد يمكن توصيفه بـ«رأسمالية الدولة الصَّفاقية»، حيث تتراجع آليات السوق الحرة لصالح صفقات تفاوضية مباشرة بسقف مرتفع، يخفض أحيانًا، وتمارس أحيانًا أخرى أدوات إكراهية خشنة تُنتزع فيها الامتيازات انتزاعًا.
في هذا النموذج، لا تملك الدولة وسائل الإنتاج بالمفهوم الاشتراكي التقليدي، ولا تترك الدفة لقوى السوق كما في الرأسمالية المحضة؛ بل الحكومة شريك فاعل ومفاوض شرس، يسخر النفوذ السياسي والتجاري لفرض واقع جيوسياسي محدد.
أبرز مثال صفقة «إنفيديا»، حيث رُبط تصدير الرقائق المتقدمة للصين باقتطاع 25 % من العائدات لصالح الخزينة الأميركية، حينها قدرت الشركة أن تكلفة المشاركة في الأرباح أقل وطأة من خسارة السوق الصينية بالكامل، يوازيها في الأهمية تحول الحكومة إلى مساهم مباشر بحصة 10 % في شركة إنتل، والتي استثمرت فيها «إنفيديا» بدورها نحو 5 مليارات دولار. هذا التشابك خلق نمطاً من «الصفقات الدائرية» التي طمست الحدود بين المنافسين  والشركاء، وشكلت بيئة خصبة لتضارب المصالح ونشوء احتكارات مستترة.
ولا تكتمل أدوات هذا النموذج دون استخدام التعرفات الجمركية العقابية كمنصات تفاوضية؛ إذ لم تعد الرسوم مجرد أداة حماية للصناعة، بل تحولت إلى «قائمة أسعار» سياسية يتم بها مقايضة الدول، ويتجاوز هذا الإكراه حدود التجارة ليصل إلى محاولة إعادة هندسة الأنظمة السياسية.
في سياقات أخرى، استُحدثت أسهم ذهبية تمنح الدولة حق النقض (Veto) خارج المعايير المالية، مع ربط الإعفاءات والدعم الحكومي بتعهدات إلزامية؛ كتخفيض الأسعار أو توطين الاستثمار في أميركا. والنتيجة نشوء بيئة أعمال تكافئ المنسجمين مع الأجندة الوطنية وتحاصر الخارجين عنها؛ لا لتعزيز التنافسية، بل لحصرها داخلياً وطمسها خارجياً، في سبيل صناعة أبطال وطنيين يفرضون الهيمنة التكنولوجية في الأسواق العالمية.
فبدلاً من نظام متعدد الأطراف تحكمه قواعد شبه عالمية، يتجه العالم تدريجياً نحو منظومة تقوم على الصفقات الثنائية منها المعلن ومنها السري، حيث تتدخل الحكومات مباشرة في إدارة تدفقات التجارة والاستثمار، ويصبح الاقتصاد العالمي أقرب إلى اقتصاد الصفقات الخاضع لتقلبات القرار السياسي المفاجئ، بل والتغريدات الصباحية، أكثر من كونه اقتصاد قوانين مستقر وقابل للتنبؤ.
أحدث تجليات هذا التوجه إعلان البيت الأبيض عن مشروع بنية تحتية ضخم للذكاء الاصطناعي بقيمة 500 مليار دولار، تحت مسمى «ستارغيت»، بهدف ضمان التفوق الأميركي على الصين في سباق التسلح التكنولوجي، بالتوازي مع توقيع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً يعاقب الولايات التي تفرض أطرا تنظيمية صارمة على الذكاء الاصطناعي.
أردنياً، محاولة منافسة الدول الكبرى في جذب استثمارات تكنولوجية ضخمة أو مصانع عملاقة قد لا تكون خياراً عملياً، لكن الأردن يمتلك مزايا نوعية يمكن توظيفها بذكاء، بدءا من إستراتيجيته الوطنية الطموحة للذكاء الاصطناعي (2023–2027)، مروراً بقوة بشرية شابة ومتعلمة ومتمرسة تقنياً، بجانب الاستقرار سياسي في إقليم مضطرب، وسمعة دبلوماسية موثوقة.
بصراحة فرصتنا تكمن في التخصص في نواح لا تجذب اهتمام الكبار، منها التحول إلى مركز إقليمي للخدمات التقنية والبيانات الآمنة ووظائف الاقتصاد الجديد؛ عبر توظيف الكفاءات البرمجية والهندسية محلياً وعن بُعد، مما يمنح الشركات الأميركية ميزة إستراتيجية توفر عليها مبالغ هائلة مقارنة بتكاليف وادي السيليكون الباهظة، وفي الوقت ذاته، يمنح الأردن موطئ قدم في خريطة اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.
في نهاية المطاف، علينا التأقلم مع واقع جديد يشهد انتقالاً جذرياً من عالم كان ينظمه كتاب قواعد منظمة التجارة العالمية، إلى عالم صار يحكمه دفتر الصفقات. إنها حقبة الاقتصادات الهجينة التي تتشابك فيها السوق الحرة بسطوة الدولة؛ ما يفرض علينا اقتناص الفرص بذكاء.
قادم الأيام ربما يتمخض عن أن الصفقات الثنائية لن تبقى حكراً على واشنطن بل ستتحول إلى رقعة شطرنج جيوسياسية مفتوحة لجميع اللاعبين.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية