الدعجة يكتب: الملك.. حكمة القيادة وضمير الإنسانية
حسن الدعجة
يمثل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، نموذجًا فريدًا للقيادة الحكيمة في عالم مضطرب تتسارع فيه الأزمات، وتتشابك فيه المصالح، وتتراجع فيه القيم الإنسانية أمام منطق القوة واعتبارات الهيمنة. وفي عيد ميلاده، تتجدد معاني التقدير والاعتزاز بقيادة هاشمية كرّست نهجها لخدمة الوطن والإنسان، وجعلت من الحكمة والبصيرة عنوانًا لمسيرتها. فمنذ توليه سلطاته الدستورية، رسّخ جلالته نهجًا قياديًا متزنًا يقوم على التوازن الدقيق بين الثبات على المبادئ الوطنية والقومية، والمرونة السياسية التي تفرضها التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وقد اتسمت قيادته بوضوح الرؤية، وبعد النظر، والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف، مستندًا إلى حكمة هاشمية متجذرة وإرث تاريخي يقوم على الاعتدال والوسطية. وفي عهده، لم يكن الأردن مجرد دولة تسعى إلى حماية مصالحها، بل أصبح منصة للعقلانية السياسية، وصوتًا للحكمة في زمن الاضطراب، وضميرًا حيًا يدافع عن القيم الإنسانية، ويؤمن بأن السلام العادل، والعدالة، واحترام الإنسان هي الأساس الحقيقي للاستقرار في الإقليم والعالم.
لقد استطاع جلالة الملك عبدالله الثاني، بحنكته السياسية وعمق رؤيته الاستراتيجية، أن يحافظ على استقرار الأردن وأمنه في محيط إقليمي بالغ التعقيد، شهد حروبًا ممتدة، وصراعات دامية، وانقسامات سياسية واجتماعية غير مسبوقة. وفي ظل هذه التحديات المتراكمة، برزت القيادة الهاشمية كعامل توازن وحكمة، جنّبت الوطن تداعيات الفوضى وعدم الاستقرار التي عصفت بالمنطقة. ولم يكن هذا الاستقرار وليد المصادفة أو الظروف، بل جاء نتيجة نهج قيادي واعٍ يدرك بدقة تعقيدات الجغرافيا السياسية وحساسية موقع الأردن، ويستند إلى قراءة عميقة للتحولات الدولية والإقليمية وتداعياتها. كما ينبع من إيمان جلالته الراسخ بأن قوة الدولة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تملكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية، بل بمتانة مؤسساتها الدستورية، وتماسك نسيجها الاجتماعي، وثقة مواطنيها بدولتهم، ووضوح بوصلتها الأخلاقية التي تحكم قراراتها وسياساتها في السلم والأزمات على حد سواء.
على الصعيد الوطني، قاد جلالة الملك عبدالله الثاني مسيرة إصلاح متدرّجة وشاملة، اتسمت بالواقعية والعمق، واضعًا الإنسان الأردني في صميم عملية التنمية ومحور السياسات العامة. وقد أكد جلالته، في مختلف خطاباته وتوجيهاته، أن الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية ليست شعارات نظرية، بل ركائز أساسية لا تقوم الدولة الحديثة إلا بها. وانطلاقًا من هذا النهج، حرص جلالته على توسيع آفاق المشاركة السياسية، وتحديث المنظومة التشريعية بما يعزز الشفافية والمساءلة، وتمكين الشباب والمرأة بوصفهم طاقة الوطن الحقيقية وضمانة مستقبله. وفي جميع مراحل هذه المسيرة، ظل الخطاب الملكي متزنًا وصريحًا، يعكس فهمًا عميقًا للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، ويخاطب المواطن بصدق ومسؤولية، دون مبالغة أو وعود غير قابلة للتحقيق، وبروح قيادية تؤمن بأن الإصلاح الحقيقي مسار تراكمي يتطلب الصبر والعمل المشترك.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد برز دور جلالة الملك كأحد أكثر القادة العرب حضورًا وتأثيرًا، يتمتع بمصداقية عالية لدى مختلف الأطراف. فقد كان الأردن، بقيادته، دائمًا عامل تهدئة لا تصعيد، وجسر تواصل لا قطيعة، ومنصة للحوار لا للصدام. وفي القضايا العربية المحورية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ظل جلالة الملك ثابتًا في مواقفه، مدافعًا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورافضًا كل أشكال الظلم والتطرف، ومؤكدًا على حل الدولتين كخيار وحيد يحقق السلام العادل والدائم.
ولعل ما يميز الدور الإقليمي لجلالة الملك هو قدرته على الجمع بين الثبات على المبادئ والقدرة على التحرك بمرونة سياسية عالية، بما يحفظ المصالح الوطنية الأردنية ويخدم في الوقت ذاته استقرار المنطقة. فقد كان جلالته حاضرًا في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، مدافعًا عن منطق الدولة، ورافضًا منطق الفوضى، ومؤمنًا بأن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدل والتنمية واحترام كرامة الإنسان.
وعلى المستوى الدولي، يتمتع جلالة الملك عبدالله الثاني بمكانة رفيعة كقائد دولي وازن، يحظى باحترام وتقدير قادة العالم وصنّاع القرار في الشرق والغرب. ويعود ذلك إلى وضوح رؤيته، وصدق مواقفه، وقدرته على قراءة المشهد الدولي بعمق، والتحدث بلغة عقلانية بعيدة عن الشعبوية والانفعال. وقد برز جلالته كصوت عالمي يدافع عن التعددية، ويحذر من خطابات الكراهية، ويدعو إلى التعايش بين الأديان والثقافات، وهو ما تجسّد في مبادرات فكرية وإنسانية رائدة، جعلت من الأردن منارة للاعتدال والوسطية.
وفي عالم تتزايد فيه الانقسامات، يمثل جلالة الملك عبدالله الثاني عين الحكمة وصوت العقل، إذ لا يتردد في قول الحقيقة كما هي، حتى وإن كانت غير مريحة، ولا يساوم على القيم الإنسانية مهما تعقّدت الحسابات السياسية. ومن هنا، لم يكن حضوره الدولي حضورًا بروتوكوليًا فحسب، بل حضورًا أخلاقيًا وإنسانيًا، يعكس التزامًا صادقًا بالدفاع عن الإنسان أينما كان، وعن حقه في الأمن والحرية والعيش الكريم.
إن جلالة الملك عبدالله الثاني لا يمثل فقط قائد دولة يؤدي واجباته الدستورية، بل يجسد مدرسة متكاملة في القيادة الرشيدة تقوم على الحكمة العميقة، والاتزان في القرار، والإيمان الصادق بقيمة الإنسان وحقه في الكرامة والأمن والاستقرار. فقد استطاع جلالته، بما يمتلكه من رؤية ثاقبة وخبرة سياسية واسعة، أن يرسّخ نهجًا قياديًا يحترم العقل، ويوازن بين المصلحة الوطنية والمسؤولية الإنسانية. وبهذه الصفات، أصبح الأردن، بقيادته الهاشمية، ضميرًا حيًا في عالم مضطرب تتزاحم فيه المصالح وتغيب فيه أحيانًا القيم، وصوتًا عقلانيًا هادئًا في زمن الضجيج والانفعال. كما غدا عنوانًا لاحترامٍ دوليّ حقيقي يستند إلى ثبات الموقف ووضوح الرؤية، لا إلى الخطابات الآنية أو الشعارات العابرة. حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدامه سندًا لوطنه وأمته، ورايةً مرفوعة للحكمة والاعتدال والإنسانية في عالم يتغير بسرعة ويحتاج إلى قيادات رشيدة.







