الشرفات يكتب: "جنون العظمة": هل يصف الواقع الحالي للسياسة الأميركية داخلياً وخارجياً؟

{title}
أخبار الأردن -

   سعود الشرفات *مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب (عمان/ الأردن)

تجربة الرئيس الأميركي ترامب تعلمنا درساً مهماً: لفهم العلاقات الدولية والسياسة الدولية اليوم، لا يمكن الاكتفاء بالتحليل البنيوي، بل لا بد من أخذ شخصية القائد وسماته الفردية في الاعتبار...

يشكل سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السياسة الخارجية لغزاً حقيقياً لكثير من المتابعين والمحللين السياسيين والأكاديميين على مستوى العالم. فمن الانسحاب المفاجئ من الاتفاقات الدولية إلى التصعيد ثم التراجع، مروراً بتوتر العلاقات مع الحلفاء قبل الخصوم، بدت السياسة الخارجية الأميركية في عهده غير متسقة وصعبة التفسير بالاعتماد على النظريات التقليدية فقط، التي تربط قرارات الدولة بموازين القوى أو المصالح الوطنية. هنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن فهم سياسات ترامب الخارجية من خلال شخصية الرئيس نفسه وسماته الفردية؟

للإجابة عن هذا السؤال، ذهبت شخصياً إلى الاستعانة بإطارين فكريين مهمين في حقل العلاقات الدولية: الأول قدّمه الأكاديمي ومُنظر العلاقات الدولية الأميركي جيمس روزناو، الذي كان مهتماً ومشغولاً بتفكيك التفسير الأحادي للسلوك الخارجي للدول. والثاني لمنظر العلاقات الدولية المعاصر البريطاني باري بوزان، وهما يسلّطان الضوء على أهمية العامل الفردي في صنع السياسة الخارجية.

كان جيمس روزناو (1924–2011)، من أوائل من تحدّوا الفكرة السائدة التي ترى أن السياسة الخارجية نتاج حتمي للبنية الدولية وحدها. ففي كتابه الكلاسيكي Pre-Theories and Theories of Foreign Policy، قدّم روزناو نموذجاً تحليلياً متعدد المستوى يتضمن أربعة أبعاد رئيسية، وهي الفردية، والمجتمعية، والحكومية، والنظامية الدولية، مؤكداً أن فهم السياسة الخارجية لا يمكن أن يقتصر على البنية الدولية فحسب، بل يجب التنبه إلى هذه المستويات المختلفة. وأبرز ما ميّز أطروحته هو التأكيد على الدور الحاسم للمتغير الفردي، أي شخصية القائد وسماته النفسية وطريقة إدراكه للواقع، خصوصاً في الحالات التي يتمتع فيها القائد بقدر كبير من الحرية أو عندما تكون القيود المؤسسية ضعيفة.

 

إدعى روزناو أن المتغيرات الفردية تصبح حاسمة بشكل خاص في أوقات الأزمات أو عند مواجهة قادة ذوي شخصيات غير تقليدية، مشيراً إلى أن السياسة الخارجية تتأثر ليس بالمؤسسات والهياكل وحسب، بل بعقلية القائد نفسه وسلوكه الإدراكي، مما يجعل هذا الطرح من أوائل المحاولات المنهجية لإدخال علم النفس السياسي في تحليل السياسة الخارجية.

تطبيق هذه الأطروحة على تجربة ترامب يبدو واضحاً؛ فالرئيس لم يكن سياسياً تقليدياً، ولم يأتِ من المؤسسة الديبلوماسية أو العسكرية، بل حمل معه عقلية رجل الأعمال، ونزعة شعبوية واضحة، وميلاً إلى اتخاذ قرارات فجائية، غالباً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من دون المرور بالقنوات المؤسسية المعتادة. هذه السمات الفردية، بحسب روزناو، يمكن أن تفسر بشكل أفضل القرارات التي تبدو مفاجئة أو غير متوقعة بالنسبة للمحللين التقليديين.

أما باري بوزان (بريطاني الجنسية)، الأستاذ الفخري في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، فهو أحد أبرز منظّري العلاقات الدولية المعاصرين، واسم محوري في ما يعرف بمدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية. على مدار حياته البحثية، ساهم بوزان في توسيع مفهوم الأمن ليشمل أبعاداً سياسية واجتماعية وثقافية، ونبّه إلى أن النظام الدولي الحديث لا يمكن فهمه بالاعتماد على البنى المؤسسية وحدها.

وفي منشور حديث على صفحته LinkeIn (نحن أصلاً أصدقاء على المنصة)، كتب بوزان نصاً قصيراً ومعبراً قال فيه: "قد يتذكر بعضكم دراسة كتاب روزناو "النظريات الأولية والنظريات للسياسة الخارجية" من الستينات. لقد عرض فيه مجموعة من المتغيرات التفسيرية، بما في ذلك المتغيرات الفردية، والدور الوظيفي، والمتغيرات المجتمعية، والحكومية، والنظامية. من الواضح أننا في زمن تلعب فيه المتغيرات الفردية دوراً كبيراً، مع وضع ترامب في الصدارة. اقترح ابتكار مصطلح جديد "جنون العظمة" لوصف الواقع الحالي للسياسة الأميركية، داخلياً وخارجياً".

وبدمج إطار روزناو النظري بملاحظات بوزان، يمكن تفسير سلوك ترامب الخارجي بشكل أكثر دقة. فالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، التشكيك في جدوى حلف الناتو، أو التوتر مع الحلفاء التقليديين، لا يمكن فهمه ضمن منطق توازن القوى أو المصالح القومية فحسب، بل يظهر بوضوح انعكاساً لشخصية الرئيس ومزاجه الفردي، وغياب، الرقابة المؤسسية التقليدية التي تحدد سلوك القادة عادة أو ضعفها. 

في هذا السياق، تظهر تجربة الرئيس الأميركي ترامب كمثال حي على عودة دور المتغير الفردي في السياسة الدولية. وهي دعوة مهمة لإعادة النظر في تفسير السياسة الخارجية الأميركية، وإدراك أن الشخصية القوية وغير التقليدية للقائد قد تصبح عاملاً حاسماً، أحياناً أكثر تأثيراً من التخطيط الاستراتيجي المؤسساتي.

 

إن هذه الظاهرة تحمل رسالة صارخة وواضحة للمحللين السياسيين ومنظري السياسية الخارجية المنتشرين بكثرة الآن في وسائل الإعلام العالمية أو على منصات التواصل الاجتماعي، مفادها: السياسة الخارجية ليست دائماً عقلانية أو متسقة كما تفترض النظريات السياسية الكلاسيكية، بل يمكن أن تكون انعكاساً مباشراً لشخصية القائد نفسه، خصوصاً في مراحل ضعف القيود المؤسسية. وهنا يكمن الدور الحقيقي لمساهمات منظري السياسية والعلاقات الدولية الحقيقين روزناو وبوزان: فالأول قدّم الإطار النظري لفهم المتغير الفردي، والثاني أكّد أن هذا المتغير أصبح حاضراً بقوة في الواقع المعاصر.

حسب رأي الشخصي، تجربة الرئيس الأميركي ترامب حتى وإن كانت محددة بمدة وجودة في الرئاسة تعلمنا درساً مهماً: لفهم العلاقات الدولية والسياسة الدولية اليوم، لا يمكن الاكتفاء بالتحليل البنيوي، بل لا بد من أخذ شخصية القائد وسماته الفردية في الاعتبار، وهو ما يجعل دمج الأفكار والانفتاح التحليلي وعدم التحيز والعمى الأيديولوجي أداة تحليلية لا غنى عنها للصحافي والمحلل والأكاديمي على حد سواء.

 

 

 


 


 

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية