عوض يكتب: إصلاح الضمان الاجتماعي في مجال التقاعد المبكر (2)

{title}
أخبار الأردن -

 

أحمد عوض


أصبحت سياسة التوسع في التقاعد المبكر في الأردن من أكثر السياسات كلفةً وتأثيراً على استدامة منظومة الضمان الاجتماعي، لأنها تُخلّ مباشرةً بمعادلة جوهرية تقوم عليها أي منظومة تأمينية سليمة (مدة الاشتراك مقابل مدة الاستفادة).
 

فعندما يتوسع الخروج المبكر من سوق العمل، تتقلص سنوات الاشتراك الفعلي وتتسع سنوات الصرف التقاعدي، فتتعمّق فجوة التمويل بين الإيرادات التأمينية والنفقات التقاعدية، وتضعف قدرة الصندوق على تأخير نقاط التعادل التي أبرزتها نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة، وطالما حذرنا من هذه السياسة سابقا.
تشير بيانات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي إلى أن المتقاعدين مبكراً يشكّلون نحو 64 بالمائة من إجمالي المتقاعدين، كما يستحوذون على نحو 61 بالمائة من إجمالي فاتورة الرواتب التقاعدية. هذه الأرقام تُظهر أن التقاعد المبكر أصبح نمطاً غالباً يحمل صندوق التقاعد عبئاً طويل الأمد، ويقيد هامش الأمان المالي المتاح للنظام.
وتتحمل الحكومة مسؤولية محورية في هذا المسار بوصفها أكبر صاحب عمل في الأردن تحيل موظفيها إلى التقاعد المبكر، ففي القطاع العام، جرى التعامل مع التقاعد المبكر كأداة إدارية لمعالجة فائض وظيفي أو إعادة هيكلة أو تحديث إداري. والنتيجة العملية أن كلفة القرار الإداري تُرحَّل من الموازنة العامة إلى صندوق الضمان الاجتماعي، بما يعني تحميل المشتركين الحاليين والمستقبليين تبعات سياسات تشغيل وإدارة موارد بشرية كان يفترض أن تُدار ضمن أدوات الخدمة المدنية والإنفاق العام. وتؤكد الأرقام أن ما يقارب 60 بالمائة من مجمل المتقاعدين مبكراً كانوا يعملون في القطاع العام، ما يجعل ضبط الإحالات المبكرة الحكومية أحد أهم مداخل الإصلاح المالي لتعزيز استدامة الصندوق، ومن هنا نؤكد على أن قرار مجلس الوزراء قبل أسابيع بإلغاء إحالات الموظفين بعد إنهائهم 30 سنة عمل كان في الاتجاه الصحيح.
في المقابل، تتخذ ظاهرة التقاعد المبكر في القطاع الخاص طابعاً مختلفاً؛ فهي في الغالب ليست إحالات قسرية، بل خيار اقتصادي اضطراري مرتبط بانخفاض الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة. فوفق التقرير السنوي للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي لعام 2024، فإن 54 بالمائة من المشتركين رواتبهم الشهرية 500 دينار فأقل، و72 بالمائة رواتبهم 600 دينار فأقل. 
ومع هشاشة الدخول، يلجأ جزء من العاملين إلى التقاعد المبكر للحصول على راتب تقاعدي، ثم العودة إلى سوق العمل، لتأمين دخل إضافي يغطي الاحتياجات الأساسية للأسر. وهكذا تتشكل حلقة مكلفة، ارتفاع كلفة التقاعد المبكر على الصندوق، وتقليص فرص العمل المتاحة للشباب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، ما يزيد من معدلات البطالة.
وعند المقارنة بالممارسات الدولية، تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن متوسط سن التقاعد المبكر في الدول الأعضاء يبلغ نحو 63 عاماً، أي أقل بحوالي سنتين من سن تقاعد الشيخوخة، مع اتجاه عام لرفع هذا المتوسط مستقبلاً إلى نحو 64 عاماً.
من هنا، فإن إصلاح التقاعد المبكر في الأردن يجب أن يقوم على مقاربة مزدوجة من خلال ضبط الإجراءات الحكومية ومعالجة دوافعها الاقتصادية في القطاع الخاص، عبر سياسات أجور أكثر عدالة. فمجرد تشديد الشروط على التقاعد المبكر في القطاع الخاص، دون تحسين الجدوى الاقتصادية للبقاء في العمل سيعيد إنتاج المشكلة بصيغ أخرى.
ولهذا، نقترح حزمة إصلاحية تتمثل في تقييد التقاعد المبكر تشريعياً وحصره بالحالات الطوعية والمهن الخطرة والشاقة، ورفع شرط الاشتراك الفعلي لاستحقاق التقاعد المبكر إلى 300 شهر للذكور والإناث، وتقليص الفارق بين سن الشيخوخة والمبكر إلى أقل من خمس سنوات ضمن معادلة محددة. وبموازاة ذلك، تقليص صلاحيات الحكومة في الإحالة المبكرة، وإلزام الخزينة بتحمل أي كلف ناتجة عن قرارات استثنائية بدل تحميلها للصندوق، وإنشاء لجنة رقابية تضم أطراف الإنتاج لمراجعة أي إحالات جماعية أو استثنائية وفق معايير اجتماعية واقتصادية واكتوارية واضحة. 
هذا الى جانب مراجعة سياسات الأجور باتجاه زيادتها تدريجياً وربطها بتكاليف المعيشة، مع تطوير حوافز للبقاء في العمل عبر تحسين معادلة احتساب الراتب التقاعدي مقابل سنوات الاشتراك الإضافية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية