التل يكتب: من الخريطة غير المرئية إلى القاعدة الوطنية: كيف نُنظّم الدبلوماسية دون أن نُغلق الأبواب؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.مصطفى التل

في خضم النقاش الذي أثارته تحركات بعض السفراء خارج الإطار الدبلوماسي التقليدي، وما تبع ذلك من مواقف مجتمعية لافتة كموقف عشيرة  الضمور والصرايرة ، بات من الضروري الانتقال من منطق الحدث إلى منطق القاعدة، ومن ردود الفعل الفردية إلى بناء إطار وطني واضح ومتوازن.

ما حدث ليس مجرد حادثة عابرة، بل إشارة إلى حاجة عميقة لإعادة تعريف قواعد التعامل في زمن الدبلوماسية المتغيرة,  فالأردن دولة منفتحة، ودبلوماسيتها عُرفت تاريخياً بالحكمة والتوازن، ولم تكن يوماً دولة منغلقة أو مرتابة بلا سبب.

لكن الانفتاح، حين لا تحكمه ضوابط معلنة ومتفق عليها مجتمعياً، قد يتحول من عنصر قوة إلى ثغرة، خاصة في زمن لم تعد فيه الحروب تُدار بالدبابات وحدها، بل بالعلاقات، والرموز، والتأثير الناعم.

لم تعد الدبلوماسية المعاصرة مقتصرة على السفارات والبيانات الرسمية, اليوم  تتحرك في المساحات الرمادية: المجالس، اللقاءات الاجتماعية، المناسبات الإنسانية، والحوارات غير المعلنة.

هذا ليس بالضرورة أمراً سلبياً، بل قد يكون جزءاً من دبلوماسية العصر, لكنه يصبح إشكالياً حين يغيب التعريف الواضح للحدود بين ما هو اجتماعي بريء وما هو سياسي هادف.

المشكلة ليست في النوايا المعلنة دائماً، بل في غياب القواعد الناظمة الواضحة: أين ينتهي الاجتماعي ويبدأ السياسي؟ متى تتحول المجاملة إلى قناة تأثير؟ ومَن يملك حق إدارة هذا التداخل وتنظيمه؟

لا شك أن المؤسسات الأردنية، الأمنية والدبلوماسية، تمتلك من الخبرة والقدرة ما يؤهلها للمراقبة والتقدير ,  لكن التحدي الحقيقي في "الحرب الناعمة" هو أنها لا تُدار فقط من الغرف المغلقة، بل في العلن الهادئ، حيث لا ضجيج ولا إشارات إنذار واضحة.

تجري في مساحات قد لا تكون المؤسسات الرسمية طرفاً مباشراً فيها ,  في هذا السياق  لا يكفي أن تكون الدولة قوية، بل يجب أن تكون قواعدها مفهومة مجتمعياً، لأن جزءاً كبيراً من ساحة التأثير انتقل إلى المجال الأهلي، حيث يتحرك المواطن بحسن نية، لا باعتباره فاعلاً سياسياً، بل بوصفه مضيفاً أو صديقاً أو وجهاً اجتماعياً ,  هنا يصبح الوعي المجتمعي خط دفاع لا يقل أهمية عن الأطر الرسمية.

من الخطأ تحميل المجتمع دوراً أمنياً ليس من اختصاصه، كما أنه من الخطأ تركه بلا بوصلة في مواجهة أشكال جديدة من التفاعل الدولي ,  المجتمع ليس جهاز استخبارات، لكنه خط الدفاع الأول بالوعي، كما أظهر موقف  عشيرة الضمور والصرايرة  الذي لم يكن رد فعل عشوائياً، بل قراراً واعياً مبنيّاً على فهمٍ لقدسية المكان وطبيعة اللحظة.

هنا يصبح المطلوب ليس المنع المطلق، ولا الانفتاح غير المشروط، بل التمييز الواعي الذي يقوم على مبادئ واضحة : الضيافة قيمة أخلاقية لا أداة سياسية، والعزاء مساحة إنسانية مقدسة لا منصة علاقات عامة، والتواصل الاجتماعي مشروع لكن التسييس المقنّع مرفوض، والاحترام للضيف لا يعني التنازل عن المبدأ.


ما نحتاجه اليوم ليس قوانين جديدة بالضرورة، بل قاعدة وطنية متوافق عليها، أشبه بمدوّنة سلوك غير مكتوبة، تحكم التفاعل غير الرسمي مع الممثلين الدبلوماسيين، وتقوم على مبادئ بسيطة ومتينة : العلاقات الدولية الرسمية تُدار عبر مؤسسات الدولة وقنواتها المعتمدة، والمناسبات الإنسانية والعائلية لها قدسيتها ويجب أن تبقى بمنأى عن الاستغلال السياسي، وأي تواصل يحمل طابعاً أو مغزى سياسياً يجب أن يتم في الإطار الرسمي المعلن، والاحترام للضيف لا يعني فتح كل الأبواب فالكرامة الوطنية خط أحمر.

هذه القاعدة لا تستهدف دولة بعينها، ولا سفيراً بعينه، بل تحمي فكرة السيادة نفسها من التآكل الصامت، وتحصّن المجتمع ضد محاولات الاستقطاب الخفية، وتحمي الدبلوماسي نفسه من سوء الفهم أو التوظيف الخاطئ لتحركاته.

الدولة القوية لا تحتاج إلى رفع صوتها باستمرار، ولا إلى إغلاق أبوابها , تحتاج فقط أن تعرف حدودها، وأن يَعرف المجتمعُ هذه الحدود أيضاً.

موقف عشيرة الضمور والصرايرة  لم يكن رفضاً للدبلوماسية، بل كان تأكيداً على أهمية السيادة الواعية التي تعرف مَن يدخل ولماذا ومن أي باب.

السيادة ليست شعارات نرفعها في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ من وضوح القواعد، وتنتهي بثقة المجتمع بأن انفتاحه لا يعني تفريطاً، وأن كياسته لا تلغي حذره.

 ما نحتاجه هو تحويل الوعي الفردي الذي ظهر في مواقف مثل موقف الضمور والصرايرة ، إلى وعي جمعي مؤسسي، يصبح جزءاً من الثقافة السياسية والاجتماعية للأردن.

زمن الدبلوماسية الذكية، يكون الوعي هو خط الدفاع الأهم، وتكون القاعدة الواضحة أكثر فاعلية من ألف رد فعل ,  لقد رسم موقف عشيرة  الضمور خطاً في الرمل, أكدته عشيرة الصرايرة ، والمطلوب الآن تحويل هذا الخط إلى قاعدة راسخة في الوعي الوطني، تحمي الدولة والمجتمع معاً في زمن تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه الأدوار.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية