أبو طير يكتب: السؤال المعلق في الأردن
ماهر أبو طير
الأردن هو البلد الوحيد الذي قد لا تفهم فيه علاقة الأرقام ببعضها بعضا؛ فلا الحكومات تشرحها جيدا، ولا المختصون يحللونها.
عدد المنتفعين من صندوق المعونة الوطنية في الأردن يتجاوز المليون شخص ضمن أكثر من ربع مليون أسرة، وربما الأردن البلد الوحيد في المنطقة الذي يزيد فيه عدد المنتفعين من صندوق المعونة الوطنية على عدد الموظفين الحكوميين وعائلاتهم بشكل مؤكد، مع إدراكي أن المخصصات الشهرية غير متساوية في الحالتين.
هذا اختلال خطير، لا يمكن اعتباره مجرد أرقام، بل يعبر عن إشكالات اجتماعية واقتصادية بنيوية يتم تركها لتزيد كل يوم.
بالمقابل كشفت البيانات الأولية الصادرة عن البنك المركزي الأردني ارتفاع إنفاق الأردنيين على السياحة في الخارج العام الماضي 2025 ليبلغ 2,048.6 مليون دولار، وهذا رقم مذهل في بلد يعاني من الفقر والبطالة، في الوقت الذي يعيش فيه أفراد على حساب المعونة الوطنية بشكل دائم، أو مؤقت، وبشكل كلي أو جزئي، مع وجود عشرات الآلاف ممن ينتظرون الحصول على أية مساعدة نقدية أو عينية.
هل أصبحنا نعاني من الطبقية؟ لأن الأرقام السابقة يمكن ربطها بمستوى اقتصادي معين يؤشر على طبقة محددة لها مواصفاتها.
حين يخرج عبد السلام السعودي، رئيس جمعية الصرافين، ويقول قبل أيام إن قرابة 400 ألف أردني منخرطون في المضاربات المالية عبر كازينو رقمي دون أي أرباح، ويحذر في الوقت نفسه من البورصات الوهمية التي تسببت بخسائر تجاوزت 194 مليون دينار في 2023 و222 مليونا في 2024، فإن عليك أن تفكر مطولا حول دلالات الأرقام في الأردن، إضافة إلى التفكير جيدا فيما يبثه الناس من تذمر وغضب، فيما تثبت أدلة كثيرة أن وسادات النوم محشوة بالدنانير.
من ناحية تحليلية، هناك فرق بطبيعة الحال بين كل عنوان وآخر، لأنك لا تستطيع المقارنة بين مقتدر يسافر، وبين محتاج للمعونة الوطنية، ولكن طبيعة الحال العام تؤشر على وجود اختلال داخلي كبير، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، برغم الشكوى اليومية، والمعاناة من كل شيء، من مخالفة الكاميرا في الشارع، وصولا إلى سعر وقود التدفئة، مرورا بالكهرباء والماء وكلف التعليم والعلاج وغير ذلك.
في جلسة مغلقة تحدث مطلع على ما اعتبره أمرا مغايرا لكل ما نسمعه، وقال إن حجوزات الأردنيين للعمرة تفيض عن التوقعات، ولا أماكن في الفنادق ولا الطائرات، بسبب كثرة الإقبال، وهذا أمر جيد دينيا لكنه يؤشر على قدرة مالية، وهي ذات القدرة التي أخذت آلاف الأردنيين عبر الطائرات لحضور مباريات الأردن في كأس العرب.
في سياق عام يمكن تفسير التناقضات بكونها مرتبطة بالفروقات في الدخل بين شخص وآخر، وهذه الفروقات تفسر كل شيء، لكنها من جهة ثانية تقول إننا أمام طبقية يتوجب الوقوف عندها من جانب كل جهات القرار، لأنه لا يمكن الفصل من حيث الكلف الاستراتيجية وتأثيرها على استقرار الأردن الداخلي، في ظل أرقام تقول لك إن الفقر ينخر فراش الفقراء، وأرقام تقول لك إن شعبنا سائح.
تعديل الاختلال أمر مطلوب، ولا يمكن الحياد أمامه، لأن استمراره سيؤدي إلى تأثيرات اجتماعية وسيعمق الطبقية بما تعنيه من خطر.
يبقى السؤال المعلق: هل نحن أمام اختلال طبقي عميق، أم أننا أمام تلاعب اجتماعي يقوم الكل عبره بادعاء الحاجة والفقر وقلة المال؟







