عايش يكتب: الدين دين لا دولة

{title}
أخبار الأردن -

 

حسني عايش


بالصدفة، وما أحسنها من صدفة! التقيت بزميل قديم من حزب التحرير، فذهبنا إلى مقهى قريب لنتحدث.
وقد عرفت منه أنه انسحب مثلي ولكن بعدي مبكرا من الحزب، وأنه الآن يفكر حرا ومستقلا. فقلت له: أنا أؤيد الآن أو أعارض سياسيا بالقطعة، ولا أربط نفسي بشخص أو بحزب سوى بالحرية والديموقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان والمواطنة، فإذا أيد ترامب –مثلا– حق الشعب الفلسطيني في وطنه أيدته، وإذا أيد إسرائيل عارضته، وهكذا. فسرَّ من هذه الفكرة، ووعدني بتبنيها.
 

وعندما تحدثا في الدين بدا لي وكأنه يعلمني فقال: إن الدين – كل دين- ولا أستثني أحدا منها – دين وليس دولة، بما في ذلك الدين الإسلامي، لأن الدين عقيدة وليس معرفة. ومن ثم فلا يستطيع أن يكون دولة ناجحة وممتدة.
والدليل عليه في الإسلام خلو أركان الإسلام الخمسة منها أي من الدولة، فالأركان الخمسة عبادة وليست سياسية. أي ليس لها علاقة بالسياسة. إنها مسائل شخصية. لو كان الإسلام دولة كما يدعون، لكانت الدولة/الخلافة ركنا من أركان الإسلام، ولما ظهرت أكثر من خلافة واحدة في الوقت نفسه.
هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية فقد أثبتت جميع أنظمة الحكم التي قامت باسم الإسلام فشلها في كسب رضا جميع الناس المحكومين. ومن ذلك أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة قُتلوا. لقد قُتل عمر على يد واحد اثني من رعيته. كما قَتَلَ عبد الرحمن بن أبي بكر الخليفة عثمان بن عفان في بيته. وقتل عبد الرحمن بن ملجم الخليفة علي بن أبي طالب وهو في طريقه إلى الصلاة. وأصيب معاوية بن أبي سفيان وهو يصلي بجراح نجا منها.
وبين هذا وذاك اشتعلت الحرب بين عائشة زوجة الرسول والخليفة علي بن أبي طالب في معركة الجمل، قُتل خلالها مئات من الصحابة المنقسمين بين علي وعائشة. كما اشتعلت الحرب بين علي ومعاوية في معركة صفين، وقُتل بها آلاف مؤلفة منهم ومن التابعين.
وتحولت الخلافة في الدولة الأموية إلى نظام ملكي وراثي امتد في الدولة العباسية التي قضت عليها وقامت على أنقاضها. وكذلك كان الأمر في الدولة الأموية في الأندلس وفي الدولة الفاطمية في مصر، وفي جميع الدول الإسلامية الفرعية.
كل تلك الخلافات وأصحاب تلك الدول كانوا أقرب إلى رسول الله أو إلى الصحابة أو إلى التابعين وتابعي التابعين منا اليوم. ومع هذا لم يتفقوا على نظام إسلامي واحد موحد للجميع.
وأضاف: إن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على أن الإسلام دين وليس دولة. ومع هذا يطلع علينا كل يوم فقهاء ودعاة ومفكرون إسلاميون يطالبون باستعادة الخلافة، وكأنها الحل السحري لكل مشكلة. لقد كان العالم في الماضي، أي إبان قيام تلك الدول، أبسط بكثير مما هو عليه العالم اليوم، ومع هذا لم يستطع الإسلام إقامة دولة واحدة وحيدة ناجحة ممتدة للمسلمين، فهل بقدرته اليوم إقامة هذه الدولة؟ أي في هذا العالم الشديد الاختلاف والتعقيد؟ هل يستطيع المسلمون أو – على الأصح – الإسلاميون أو الإسلامويون - استعادة نظام الخلافة الذي شُبِّع موتا بعد نحو خمسة عشر قرنا من وفاة الرسول؟ أو حتى التوفيق بين باكستان وأفغانستان؟
كيف يسمح الإسلاميون والإسلامويون لأنفسهم بالانقلاب على الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين فشلوا جميعا في إقامة الدولة الإسلامية الناجحة الباقية؟ لقد كان في زمانهم اختلاف فكري في قضايا إسلامية كما كان بين الحجاز والشام والعراق، والآن يوجد اختلاف فيها بعدد الأقطار والجماعات الإسلامية.
أما المانع الصاعق لاسترجاع الخلافة أو لإقامة الدولة الإسلامية الواحدة فهي الاختلاف الطائفي السني الشيعي الدموي، فبموجب أي منهما ستكون الخلافة أو الدولة؟
الحقيقة التي لا يدركها هؤلاء الفقهاء والدعاة أو المفكرون الإسلاميون الذين ألبّوا الشباب لاسترجاع الخلافة بالعنف، بعدما ثبّتوهم فكريا وعمليا على فكرة الخلافة/الدولة الدينية، أنهم بفكرهم هذا أدوا إلى خلق منظمات تكفيرية بدءا من القاعدة، ومرورا بداعش، وانتهاء بتفرعاتها مثل بوكو حرام في نيجيريا، وحركة الشباب في الصومال... التي يجمع العالم كله على تصفيتها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية