نادية سعدالدين تكتب: غزة باستعمار جديد!

{title}
أخبار الأردن -

 

نادية سعدالدين


لا تُعبّر خطة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، وما تتضمنه من تشكيلات هيكليّة، لإدارة مرحلة ما بعد حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة، عن إرادة سلام حقيقي، كما يُوحي الظاهر العام، بل تُعدّ نمطاً جديداً من السيطرة الاستعمارية تحت حجّج الاستقرار والتنميّة. 
 

  إذ لا يمكن النظر إلى خطة «ترامب» بمعزّل عن السياق الجيوسياسي الأوسع الذي يُحيط بفلسطين المحتلة ومنطقة الشرق الأوسط ككل، حيث تبرز كآلية أمريكية غربية صهيونية لإعادة صياغة الحكم في غزة، وإعادة الهيكلة الاقتصادية والسياسية للقطاع بطريقة تتجاوز الأطر المحلية التقليدية، عقب استبدالها بأهداف الاستعمار الجديد (Neo- Colonialism).
  ورغم أن الخطة نفسها تُدلل في ظاهرها على نهج إنساني تنمويّ ينحو للسلام والأمن والاستقرار، ولكنها القشّرة الخارجية التي تضّمر في داخلها تحركاً استعمارياً توسعيّاً. فتكوين أطرّها الهيكلية الدولية – الغربية يشيّ عن بُعد استراتيجي يتجاوز أهداف إعادة الإعمار إلى مسعى إعادة ترتيب السلطة وتوطيد نفوذ خارجي في إدارة الشؤون الداخلية لغزة، وذلك عند اختيار «توني بلير» (رئيس الوزراء البريطاني الأسبق) ورفيقه المٌقرب «جاريد كوشنير» (صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) وهما رمزان عتيدّان لنهج سياسي – اقتصادي عالمي يربط بين التنمية والاستقرار تحت مظلة النفوذ الغربيّ، وصاحبا خطة ثنائية لإحكام القبضة العسكرية الأمنية الصهيونية في قطاع غزة، والسيطرة على الإمكانات الطبيعية والاقتصادية الهائلة التي يتمتع بها ساحل غزة، وتفريغ القطاع من سكانه الفلسطينيين، أو العدد الأكبر منهم على الأقل، تحت ستّار إعادة الإعمار، مما يكشف عن أبعاد القوة ومساعي التحكم في مستقبل قطاع غزة بعيداً عن إرادة شعبه. 
أما الهدف المُعلن فيتمثل في تنفيذ خطة الرئيس «ترامب» المُكونة من 20 بنداً لإعادة الإعمار والحوكمّة. إلا أن أطرّها التنفيذية المُوكّلة بالمهمة لا تتخذ شكلاً تقليدياً لإدارة أزمة انسانيّة فحسب، بل تسعى إلى خلق أطر مؤسسّية جديدة وإعادة توزيع الأدوار السياسية والإقليمية، بمشاركة دول وأطراف متعددة، في إطار محاولة إقصاء الجهات المحلية الفلسطينية، لاسيما حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، عن موقع القيادة المركزية، وعن المشهد السياسي الفلسطيني، أو هكذا يتخيّلون.
  لقد شكلت القوى الكبرى عبر التاريخ أدوات متعددة لتحقيق النفوذ، والمواءمة بين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في مناطق كثيرة، وغزة ليست استثناء في هذا السياق. وليس شرطاً أن تكون الهيمنّة بالاحتلال العسكري المباشر، نظير مفاعيل السيطرة الاقتصادية والسياسية والثقافية الأشدّ فتكاً، أسوّة بالخطة الأمريكية الصهيونية التي تستهدف؛ استخدام الاقتصاد والتمويل والمساعدات والاستثمارات والزج بالشركات متعددة الجنسيات، لتحقيق مصالح استعمارية تحت غطاء إعادة إعمار غزة، فضلاً عن مصادرة القرار المحلي، وإنشاء أداة أمنية للإشراف على نزع السيادة والاستقلالية، وإخضاع غزة للإرادة الخارجية.
إن التحرك الذي تقوده الولايات المتحدة وتنخرط فيه شخصيات بارزة من دول وشركات عالمية، يُعيد للأذهان نماذج من النفوذ غير المباشر الذي يُمارس تحت شعارات براقة، حيث يُعاد هنا تشكيل القرار السياسي والاقتصادي، مما يعكّس نموذجاً للاستعمار الجديد.
ولعل مساعي واشنطن لتحديد مصير غزة باعتباره شأناً أميركياً خالصاً، يطرح تساؤلات حول شرعية القرار الفلسطيني الذاتي، والقدرة على استعادة السيادة الحقيقية من قبل شعب القطاع نفسه. فالخطة الأمريكية - الصهيونية لا تُقدّم فقط وصفة لإعادة الإعمار، بل تقترح نموذجاً جديداً يُشبه في طبيعته أشكال السيطرة التي عرفتها مناطق عديدة تحت تأثير القوى الكبرى، بما يمكن اعتباره فعلياً استعماراً جديداً، من حيث التحكم في القرار السياسي والاقتصادي عبر هيئات دولية وتكنولوجية.
لم تنطلق خطة «ترامب»، ولا تشكيلاتها الهيكليّة، من إرادة فلسطينية حرّة في غزة، ولكنها قد تُمثّل ابتزازاً لعلاقات القوة الدولية، ومحاولة جديدة لإدارة القضية الإنسانية والسياسية الحقوقية العادلة في إطار المنافسّة الدولية على النفوذ والسيطرة. إن تشكيلة أطرّ الخطة وطريقة إدارتها خير مُقياس للدلالة على أن غزة ليست على مفترق الاستقلال الحقيقي، كما تُرّوج الدعاية الأميركية – الصهيونية لذلك، بل عند عتبّات استعمار جديد.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية