الكشكي يكتب: انكسار الدائرة المميتة

{title}
أخبار الأردن -

 

جمال الكشكي


يغرق الشرق الأوسط في بحر من الأزمات المتتالية، وأستعير هنا تعبير الصحفي العراقي سعد البزاز، حين عنون كتابه عن حالة العراق بأنها «حرب تلد أخرى».
 

الحق أقول إن الشرق الأوسط يتناسح حالة العرق التي أشار إليها البزاز، وبات حقل تجارب منذ أكثر من قرنين، قرن استعمار، وآخر تفتيت، تفتيت الشعوب والهويات والأديان والأعراق، ولا يجد استراحة يتنفس فيها، فكل عام تقريبا يشهد حربا أو نزاعا، وتأتي الأساطيل إلى أراضيه وبحاره وممراته، كأنها في نزهة، لكنها نزهة مميتة.
نحن الآن على موعد خطير يستعيد تلك الحالة ، فالقوة الأميركية الساحقة وصلت إلى الشرق الأوسط، لتنضم إلى ترسانتها الموجودة من قواعد وأساطيل، وبالتنسيق مع إسرائيل، الكيان المدجج بالسلاح حتى الأسنان، وعسكريا وإستراتيجيا لا يمكن أن تتحرك مثل هذه القوة دون إشعال حرب مخططة.
ساحة المعركة هذه المرة، إيران، بمساحتها التي تصل إلى مليون و600 ألف كيلومتر مربع، وبوجودها في قائمة الدول الاثنتي عشرة المنتجة للنفط، وقربها من أربع دول منتجة للخام الأسود، وهو قرب يصل لذروته، حين تأتي هذه الحرب في سياق إستراتيجية دونالد ترامب للأمن القومي الجديدة، ويريد أن يراها واقعا على الأرض سريعا.
وقد بدأها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، بدءا من فنزويلا وجزيرة جرينلاند الدنماركية، وفي الكاريبي كوبا والمكسيك وكولومبيا وبنما، والحبل على الجرار، وها هو يطل على الشرق الأوسط من نافذة إيران بقوة عسكرية شاملة، يريد أن يقصف قصفا مؤلما وسريعا، ثم يقوم بترتيب الأوضاع بسرعة فائقة، وقد قال إنه لا يريد حربا طويلة.
ترامب عندما يقول شيئا يفعل عكسه على الفور، وفي خضم الحرب الدائرة بالفعل في إيران، فإن عوامل عديدة عرقلت خطوته، منها أنه لم يستعد بكامل أسلحته بعد، ومنها أن الحليف الإسرائيلي طالب بالتمهل حتى يستعد، وكذلك هناك دول وازنة في الشرق الأوسط أشارت إلى الخطر الذي يمكن أن تتسبب فيه حرب خاطفة فاشلة، فالتداعيات ستكون أخطر على الجميع.
هل يمكن أن يتراجع ترامب عن قصف إيران؟ يمكن ذلك، فكثيرا ما اتخذ قرارات وتراجع عنها، وفي حالتنا هذه يريد أن يقوم بعملية جراحية ناجحة، لا تظهر فيها آثار الدماء، لكنه لا يضمن هذا تماما، فانتظر، وكان يمني النفس أن تنتهي حالة إيران بالمظاهرات وحدها وبمساعدة الأجانب، وربيع جربته أمريكا في المنطقة العربية، لكنه وجد الأمر بعيدا عن الأمنيات، وإن كان غير مستحيل مع هذا الحشد الإعلامي والدبلوماسي والعسكري السري.
لكن، هل يمكن أن يتخلص الشرق الأوسط من متلازمة الحرب؟ وهل يمكن أن تنفتح شرايين المنطقة لأصحابها؟ وندرك أن الخطر الوجودي يترصد الجميع، والسؤال الأهم، كيف يمكن أن تستعيد الشعوب طاقتها بعيدا عن التدخلات الخارجية، والثورات الملونة؟
وماذا يفعل العرب وكيف يكسرون هذه الدائرة المحكمة؟
العرب اليوم يتأرجحون بين تردد المواقف السياسية، والتوازن بين خوف مباشر من التدخل الخارجي، ورغبة في حماية مصالحهم الاقتصادية والإستراتيجية، بعض الدول تلعب دور المراقب الحذر، تنتظر الأحداث لتقييم المخاطر قبل أن تحسم موقفها، وأخرى تحاول المناورة الدبلوماسية لتقليل تأثير الصراع على الداخل، بينما هناك أصوات شعبية ودبلوماسية تطالب بالتحرك المشترك، لتشكيل جبهة عربية قادرة على التخفيف من التدخلات الخارجية، وإعادة رسم الأولويات الداخلية بما يضمن الأمن والاستقرار، وإعادة بناء الثقة في مفهوم الدولة المستقرة، وذلك بعد عقود من الانقسامات والتدخلات، لكن الطريق لا يزال محفوفا بالمخاطر، فالأزمات السابقة علمتنا أن التخاذل أو المراوحة يمكن أن يضاعف من معاناة المنطقة. 
ثمة أمل أن تنكسر دائرة الحرب التي تلد أخرى، وتخرج المنطقة من الليل الطويل إلى النهار.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية