الحسبان يكتب: الوطن بحاجة لكفاءات وطنية لا لأصحاب شعارات وطنية

{title}
أخبار الأردن -

 

د. فراس حمدان الحسبان

لم تعد الشعارات الوطنية، مهما علت نبرتها أو كثرت ترديدها، كافية لبناء الأوطان أو إنقاذ مؤسسات الدولة من التراجع والإخفاق. فالوطن لا يُدار بالشعارات، بل بالكفاءة، ولا يُنهض به بالهتاف، بل بالتخطيط والعلم والخبرة والإدارة الرشيدة.

لقد أصبح من الواضح أن جزءاً كبيراً ممن يتولون قيادة مؤسسات الدولة هم من أصحاب الشعارات الوطنية أكثر من كونهم من أصحاب الكفاءات الوطنية الحقيقية. يرفعون الرايات، ويكثرون من الخطاب العاطفي، لكن نتائجهم على أرض الواقع لا تعكس حجم ما يرددونه. ومع ذلك، لا بد من استثناء الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة الأردنية، قادةً وأفراداً من أي مزاودة أو تشكيك؛ فوطنيتهم راسخة، وأداؤهم المشهود، وتضحياتهم اليومية تجعلهم فوق أي نقاش أو مقارنة.

الأردن، خلافاً لما يحاول البعض تصويره، لا يعاني من فقر في الكفاءات. بل على العكس، يمتلك هذا الوطن طاقات بشرية عظيمة أثبتت قدرتها على النجاح والتميز عندما أتيحت لها الفرصة. والدليل الواضحعلى ذلك هو وجود كفاءات أردنية على رأس هرم العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة العربية والدولية، حيث حققوا إنجازات كبيرة لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. السؤال المؤلم هنا: لماذا تنجحالكفاءات الأردنية في الخارج، بينما تهمش أو تقصى في الداخل ؟

إن ما يملكه الأردن من طاقات قيادية وعلمية وإدارية يجعله مؤهلاً ليكون بلداً متقدماً جداً، لو أحسن استثمار هذه الطاقات ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب. فالمشكلة ليست في الإنسان الأردني، بل في منظومة الإدارة والاختيار، وفي معايير التعيين التي كثيراً ما تُبنى على الولاء والشعارات لا على الكفاءة والإنجاز.

لقد أنهكت مؤسسات الدولة بفعل الفساد الإداري وسوء الإدارة، ويتحمل جزءاً كبيراً من هذا الواقع قيادات فشلت في تطوير مؤسساتها، وأثبت الزمن ضعف قدراتها الفنية والعلمية والإدارية، لكنها في المقابل برعت في رفع الشعارات الوطنية واستخدامها كدرع يحميها من المساءلة والمحاسبة. فتم الخلط بين الوطنية الحقيقية، التي تُقاس بالعمل والإنجاز، وبين الوطنية الشكلية التي تُقاس بعدد الخطب والشعارات.

وفي الوقت الذي تتضاعف فيه مديونية الأردن عاماً بعد عام، وتزداد معاناة البنية التحتية من تهالك وتراجع، لا يزال البعض يصر على تبرير هذا الواقع بقلة الموارد ويتفننون بخلق الحجج . والحقيقة أن المشكلة الأساسية ليست في شح الموارد، بل في سوء التخطيط، وضعف الإدارة، وغياب الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى. فكم من دول أقل موارد من الأردن، لكنها حققت قفزات نوعية بفضل الإدارة الكفؤة والحوكمة الرشيدة.

ومن المفارقات اللافتة أن مستوى التفكير والرؤية لدى القيادة الأردنية، وفي مقدمتها القيادة الهاشمية، هو مستوى عال ومتقدم يفوق في كثير من الأحيان مستوى القيادات التنفيذية في العديد من مؤسسات الدولة. كما أن المؤسسات العسكرية والأمنية ما زالت تشكل النموذج الأوضح للانضباط والكفاءة والتخطيط، وهو ما يفسر الثقة العالية التي يوليها المواطن الأردني لهذه المؤسسات، باعتبارها الحصن الأكثر صلابة ومصداقية.

إن الأردن اليوم بحاجة ماسة إلى ثورة إدارية حقيقية، ثورة على الإدارات الفاشلة التي تتخفى خلف الشعارات الوطنية، وتستنزف موارد الدولة دون إنجاز يُذكر. نحن بحاجة إلى استبدال هذه العقليات بكفاءات وطنية حقيقية، تشهد إنجازاتها لها قبل أن تشهد لها خطاباتها، وتؤمن بأن الوطنية مسؤولية وعمل، لا مجرد كلمات تقال عند الحاجة.

فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى بسواعد أبنائها الأكفاء، وبإدارة نزيهة، وبقرار شجاع يعيد الاعتبار للكفاءة قبل أي اعتبار آخر.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية