التل يكتب: خريطة السفير وخطُّ الضمور..
د.مصطفى التل
لا تخطئ العين تلك الصورة المتكررة : سفير أمريكي في العاصمة عمّان، يجوب المجالس العشائرية، ويلتقي الشخصيات البارزة خارج الأضواء الرسمية، في حركة تبدو للبعض جزءاً من العمل الدبلوماسي الطبيعي، ولآخرين نشاطاً مريباً يلامس شريان الأمن القومي.
موقف عشيرة الضمور الأخير، برفضها القاطع استقبال السفير الأمريكي في بيت عزاء فقيدها، لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل كان إعلاناً صريحاً بأن "الخريطة غير المرئية" التي يحملها هذا السفير وأمثاله، قد اصطدمت أخيراً بوعي جماعي يرفض أن يكون نقطة على تلك الخريطة.
الحقيقة أكثر تعقيداً وأشد خطراً، خاصة عندما نعرف أن هذا السفير تحديداً هو جيمس هولتسنايدر، الرجل القادم من قلب المؤسسة الأمنية الأمريكية.
ليس دبلوماسياً تقليدياً، بل "رجل المهمات الصعبة" الذي يجيد تحويل المجاملة إلى أدوات ضغط، واللقاء العابر إلى قناة نفوذ.
في هذا السياق، يأتي رفض عشائر الضمور ليس مجرد موقف عشائري، بل إدراكاً عميقاً للعبة الـ"دبلوماسية الذكية" التي تعمل في المساحات الرمادية بين الرسمي والشعبي.
تستند الدبلوماسية التقليدية على بروتوكولات واضحة وقنوات رسمية، لكن الدبلوماسية الجديدة تعمل حيث لا توجد كاميرات، وحيث يتحول الحديث عن هموم الحياة اليومية إلى معلومات استخبارية، والشكوى من الظروف الاقتصادية إلى نقاط ضغط محتملة.
عندما يتحرك سفير بهذه الخلفية بحرية بين مفاصل المجتمع، فإنه لا يبحث عن الصداقة بقدر ما ينقب عن الشقوق في النسيج الاجتماعي، وهو ما فهمته عشائر الضمور تماماً عندما أكدت في بيانها أن "العلاقات الدولية في المملكة الأردنية الهاشمية تُدار حصرياً عبر مؤسسات الدولة وقنواتها الرسمية، وأن العشائر الأردنية ليست ساحةً أو بديلاً عن هذه القنوات" .
بالمقابل، تظهر أصوات تتعامل مع هذه الزيارات وكأنها مجرد "دعوات مجاملة" لا تحمل أبعاداً سياسية، بل وتذهب إلى حد ربط المعارضة لهذه الزيارات بأمنيات شخصية مثل الحصول على تأشيرات سفر.
هذا المنطق البراغماتي الضيق هو بالضبط ما تعتمد عليه "الخريطة غير المرئية" , تحويل القضايا المصيرية إلى حسابات شخصية صغيرة، واختزال السيادة إلى معادلة ربحيّة قصيرة المدى.
المعلومات التي يجمعها السفير في جولاته – عن هموم اقتصادية، أو تذمر سياسي، أو طموحات شخصية – لا تذهب لتقارير أكاديمية، بل إلى ورشة صناعة القرار في واشنطن، حيث تتحول إلى "رافعات ضغط" تُستخدم عند الحاجة.
الخطر الحقيقي يكمن في بناء "شبكات ولاء موازية" تبدأ بوجبة عشاء وتنتهي باستعداد للانحياز عندما تحين اللحظة الحاسمة.
في هذا السياق، يصبح موقف عشيرة الضمور درعاً واقياً، لأنه يقطع الطريق على تحويل العلاقات الاجتماعية إلى قنوات نفوذ خارجية.
و هنا يطفو السؤال المصيري: أين الخط الأحمر؟! لقد رسمته عشيرة الضمور بوضوح لا لبس فيه : بيت العزاء مكان للوفاء والرحمة، وليس ساحة لاستعراض النفوذ.
الموقف الوطني ثابت في الحياة والممات , الأعراف العشائرية الأصيلة تفصل بين قدسية المناسبات الإنسانية والأجندات السياسية , هذا هو الوعي الاستراتيجي الذي يحمي الأمن القومي في زمن الحرب الناعمة.
التهديد الحقيقي ليس في وجود سفير نشط، بل في "عقلية الانفتاح غير المحسوب" التي تتعامل مع تحركاته على أنها علامة تقدير دولي، بينما هي في حقيقتها اختراق ممنهج للوعي الجمعي.
ما فعلته عشائر الضمور هو إعادة تعريف مفهومي "الضيافة" و"الكرامة" , فالضيافة لا تعني فتح كل الأبواب، والكرامة لا تسمح بتقديم الثوابت على مذبح المجاملة.
تثبت هذه الحادثة أن "الخريطة غير المرئية" تفقد فاعليتها عندما تواجه شعباً يعرف حدوده، ويُفرّق بين الضيف الذي يُكرّم والغازي الذي يُستباح مجاله.
السيادة ليست شعارات نرفعها في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ برفض تحويل بيوت العزاء إلى نقاط على خريطة الاستخبارات الأجنبية.
السؤال المحوري والباقي : كم منا يمتلك شجاعة رسم الخط الأحمر حين تتطلب اللحظة؟! عشيرة الضمور أجابت، والتاريخ يسجل.







