ديلواني يكتب: "إخوان الأردن" والتصنيف الأميركي... قضية تحصيل الحاصل

{title}
أخبار الأردن -

 

 


طارق ديلواني

 

أثار قرار واشنطن تصنيف جماعة "الإخوان المسلمين" منظمة إرهابية تساؤلات عميقة في الشارع السياسي الأردني، نظراً إلى طبيعة العلاقة التاريخية والقانونية التي كانت تربط الجماعة بالدولة الأردنية.

وبينما بدا القرار الأميركي "هجوماً شاملاً" على أذرع الإسلام السياسي، جاء الرد الأردني بـ"دبلوماسية قانونية" حذرة تضع مسافة أمان بين الدولة الأردنية وشظايا القرار الدولي، إذ سارعت عمان لتوضيح موقفها القانوني والسيادي عبر تأكيد وزير الاتصال الحكومي محمد المومني أن الجماعة "منحلة حكماً" بموجب القضاء الأردني منذ عام 2020، ونشاطاتها محظورة كلياً منذ أبريل (نيسان) الماضي.

لكن هذا الهدوء الرسمي لم يمنع سيل الأسئلة الذي اجتاح الصالونات السياسية ومنصات التواصل حول كيفية موازنة الأردن بين ضغوط حليفه الاستراتيجي (واشنطن) وحساباته الداخلية؟ وما قائمة الأسماء والكيانات التي ستدخل "نفق" العقوبات؟

حصار ناعم
تاريخياً، جرت محاولات عديدة داخل الكونغرس الأميركي لتقديم مشاريع قوانين بهذا الخصوص، لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة (سواء الديمقراطية أو الجمهورية) كانت تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، نظراً إلى التعقيدات السياسية والخصوصية التي تتمتع بها الجماعة في دول مثل الأردن.

ويقول مراقبون إن السياسة الأميركية تعتمد عادة على تصنيف أفرع أو أفراد محددين بدلاً من التنظيم الدولي ككل. لكن ضمن السياق الأردني يبرز عدد من التحديات نظراً إلى خصوصية الجماعة التي كانت تعمل لعقود تحت غطاء قانوني كجمعية خيرية أو حزب سياسي كجبهة العمل الإسلامي. كما أن انخراط الجماعة في البرلمان والحياة النقابية يجعل من تصنيفها "إرهابية" خطوة معقدة تتطلب بعض الإجراءات لاحقاً كتجميد أنشطة حزب جبهة العمل الإسلامي، وتشديد الرقابة على التدفقات المالية للمؤسسات التابعة للجماعة وإغلاق حسابات بنكية لها.

لكن وفق معلومات حصرية حصلت عليها "اندبندنت عربية" من مصادر حكومية، فإن القرار الأميركي لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل هو تجسيد لـ"عقيدة ماركو روبيو" وزير الخارجية الأميركي الجديدة. وتقوم هذه العقيدة على الانتقال من المواجهة السياسية إلى "التجفيف اللوجيستي" للتنظيمات العابرة للحدود.

فالتصنيف الذي شمل "إخوان الأردن" لم يعتمد فقط على الإرث التاريخي للجماعة، ولكن استند أيضاً إلى حيثيات ربطت فيها واشنطن بين نشاط الجماعة في الأردن و"أنشطة مزعزعة للاستقرار" في المنطقة من بينها اتهام الجماعة بتمويل حركة "حماس".

القرار الأميركي وفق المصادر، وبوصفه "حصاراً ناعماً"، سيفرض واقعاً جديداً على الساحة الأردنية، أقله التدقيق المالي الصارم، وستجد المصارف الأردنية نفسها مضطرة لفرض رقابة مشددة على حوالات وأرصدة أية شخصيات ارتبطت تاريخياً بالجماعة لتجنب "العقوبات" الأميركية.

وتؤكد المصادر أن واشنطن أبلغت عمان بالقرار قبل صدوره بـ48 ساعة، وأن الرسالة الأميركية كانت واضحة ومفادها أن "التصنيف يستهدف التنظيم وليس الدولة".

تحصين قانوني

يقول المحلل السياسي ووزير الاعلام السابق سميح المعايطة أن من حق الولايات المتحدة تصنيف جماعة "الإخوان المسلمين" إرهابية، واتخذ الأردن خطوات قضائية مماثلة منذ عام 2020، وصدر قرار بحظر الجماعة والحجز على أموالها ومنع أي نشاط لها بصورة كاملة.

لكنه استبعد في المقابل أن يكون لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب أي تأثير في الأردن، كون الدولة الأردنية اتخذت هذا القرار قبل أعوام، وأنفذت الحكومة قرارتها كاملة بحظر جماعة "الإخوان" وكان ذروتها خلال أبريل الماضي، مؤكداً أنه "لا يوجد في الأردن الآن أي وجود لجماعة ’الإخوان المسلمين‘، ولا شركات أو استثمارات أو أموال إخوانية على أراضي المملكة".

ويقول المعايطة إن الأردن يمتلك "وضعية استباقية تجعل أثر هذا القرار محدوداً، إن لم يكن معدوماً على الصعيد الداخلي. فالدولة الأردنية لم تنتظر تحولات السياسة الخارجية الأميركية لترتيب بيتها الداخلي، والمسار القضائي الذي بدأ منذ عام 2020 حسم الجدل حول وضع الجماعة قانونياً. كما أن قرارات الحظر والحجز على الأصول ومنع النشاط التنظيمي التي نُفذت بالكامل جعلت الموقف الأردني محصناً وجاهزاً للتعامل مع أية ضغوط دولية".

دلالات مهمة

وبعيداً من التصنيف السياسي للجماعة، يشير المحلل السياسي عامر بني عامر إلى دلالات تقنية في غاية الأهمية في تسميات التصنيف، قائلاً "بتحليل طبيعة القرار الأميركي الأخير سنجد أننا أمام تحول تقني يستوجب القراءة الدقيقة بعيداً من العواطف السياسية. فإدراج ’الإخوان المسلمين‘ تحت تصنيف (SDGT) - إرهابي عالمي مصنف خصوصاً - يحمل دلالات استراتيجية تختلف جوهرياً عن التصنيفات الأكثر حدة".

ويضيف بني عامر أن "’سلاح السويفت‘ يكمن في جوهر هذا التصنيف، كونه بداية لمسار يركز بصورة جراحية على التجفيف المالي وليس مواجهة أمنية في الشارع، إذ يفرض القرار تجميداً للأصول وحظراً صارماً على أية تعاملات عبر نظام ’السويفت‘ العالمي. هذا يعني أن أي فرد أو جهة يثبت ارتباطها التنظيمي ستجد نفسها خارج المنظومة البنكية الدولية، وهي مخاطرة لا يمكن للبنوك المحلية أو العالمية تحملها، نظراً إلى ارتباطها العضوي بالنظام المالي الأميركي".

ويشير بني عامر إلى ذكاء الدولة الأردنية في إدارة هذا الملف المعقد، إذ استبقت هذه الضغوط بتبني مسار "سيادة القانون" بدلاً من "الإقصاء السياسي" منذ عام 2020، وهو ما وفر غطاء سيادياً مريحاً للأردن، وتم التعامل مع الملف كقضية قانونية داخلية مما أفرغ القرار الأميركي من قدرته على ممارسة ضغط مباشر على مؤسسات الدولة.

وأوضح أن الدولة أدارت الملف بمنطق "سيادة القانون" وليس بمنطق "انتقامي أو إقصائي"، مما أدى إلى إنهاء وجود أية جمعيات أو أصول مالية رسمية باسم جماعة "الإخوان المسلمين" قبل صدور القرار الأميركي.

إعادة تموضع

أمام هذه التطورات تصاعدت مطالب نخبوية للذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" (حزب جبهة العمل الإسلامي) بضرورة إعادة التموضع الاستراتيجي، لضمان بقائه جزءاً من الحالة الوطنية الأردنية بعيداً من الضغوط الدولية.

ضمن هذا السياق ثمة سيناريوهات مطروحة أمام الحزب، من بينها تغيير مسماه ونظامه الداخلي أو حتى حله تماماً والاندماج في أحزاب أخرى قريبة فكرياً منه والانفصال التام والنهائي عن إرث الجماعة، أو مواجهة خطر الحل القانوني بتهمة الارتباط بمنظمة محظورة دولياً.

ومن بين الوصفات الجاهزة التي يطرحها مراقبون على حزب جبهة العمل الإسلامي للتعامل مع تداعيات تصنيف واشنطن، ضرورة تغيير الخطاب السياسي والنيات بصورة تنعكس على سلوك القيادة والأفراد تجاه الدولة، وتجديد القيادات عبر الدفع بالصف الثاني إلى الواجهة تجنباً لحساسية وجود قيادات حالية مرتبطة أو مستهدفة بالقرار الأميركي.

وحتى اللحظة، يلف الصمت أروقة الحزب وسط أنباء عن ارتباك وانقسام داخلي حول كيفية التعاطي مع هذا الواقع الجديد، وبخاصة مع وجود موقف رسمي أردني قوي لا يقبل التأويل، إذ تعامل الأردن مع الملف بقرار "سيادي" خالص، بعيداً من كونه استجابة لضغوط خارجية.

 ويرى مدير مركز "استراتيجيكس للدراسات" حازم الضمور أن القرار الأميركي أنهى المناورة السياسية للجماعة في الأردن نحو العزل الشامل. وهو إعلان عن نهاية حقبة الغموض في التعامل مع الجماعة والانتقال من سياسة الاحتواء أو المراقبة إلى سياسة الاستئصال المالي والسياسي، وهو ما يضع أذرع الجماعة أمام خيارين لا ثالث لهما، الذوبان الكامل في النسيج الوطني للدول عبر فك الارتباط بالتنظيم الدولي، أو مواجهة عزلة دولية خانقة تطاول كل من يتعامل معهم.

ويعتقد الضمور أن التصنيف الأميركي يتجاوز فكرة تجميد الأموال إلى تجميد التأثير، وأن الحتمية التاريخية للمراجعة الشاملة أصبحت خلاصاً للجماعة، إذ لم تعد الرهانات القديمة على التوازنات الإقليمية تجدي نفعاً.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية