كراجة يكتب: حق العودة والدولة الواحدة
سائد كراجة
لا حاجة اليوم لإقامة دولة فلسطينية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، لأنها موجودة فعليًا من الناحيتين القانونية والواقعية. فقد حدّد صكّ الانتداب الإطار الجغرافي لفلسطين كوحدة إقليمية معترف بها دوليًا، فيما ثبّت قانون الجنسية الفلسطيني الصادر عام 1925 الارتباط القانوني للسكان بالإقليم. وبذلك أقرّ الصكّ والقانون، مجتمعين، بوجود شعب فلسطيني وإقليم جغرافي معيّن وفق معطيات تاريخية وديمغرافية ثابتة.
إلّا أنّ هذا الإطار السياسي القانوني لم يُفضِ إلى سيادة وطنية مكتملة، بل أُعيق بمسار استعماري دولي منظّم قادته بريطانيا، ثم توسّع لاحقًا ضمن المشروع الصهيوني الاستيطاني. وقد جرى تفكيك الإطار الفلسطيني وإعادة هيكلته قسرًا، لا عبر إلغائه، بل من خلال إعادة تعريف الأرض والسكان ضمن منظومة سيطرة جديدة، استُخدمت فيها الأدوات القانونية والإدارية لتكريس مشروع استعماري إحلالي مدعوم غربيًا.
ويتجلّى ذلك في البنية الديمغرافية لفلسطين قبل هذا التحوّل؛ إذ شكّلت، في مطلع القرن العشرين، مجتمعًا متعدّدًا لم تتجاوز فيه نسبة اليهود ٪8 من مجموع السكان. ويؤكد هذا المعطى أن التنوّع السكاني لم يكن في ذاته مصدر الصراع، بل إن توظيفه السياسي لاحقًا هو الذي أعاد تشكيله ضمن مسار استعماري منظّم.
ومنذ عام 1967، تُدار المساحة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط كوحدة جغرافية واحدة من حيث السيطرة على الأرض والحدود والموارد، مع إخضاع السكان لأنظمة قانونية متعدّدة. وقد نتج عن ذلك نظام سيادي موحّد يُمارَس فيه التحكم بصورة شاملة، مقابل تجزئة الحقوق على أسس الهوية والمكان، بما يعكس سياسة فصل عنصري بنيوي.
في هذا السياق، طُرح حلّ الدولتين تاريخيًا بوصفه إطارًا تفاوضيًا لإدارة الصراع، وقَبِل به الفلسطينيون والعرب على أساس وهم وجود شريك إسرائيلي معنيّ بتسوية عادلة. غير أن السياسات الإسرائيلية، ولا سيما التوسّع الاستيطاني وتفتيت المجال الجغرافي، أدّت عمليًا إلى تقويض هذا الحل، وأغلقت إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة متصلة.
ومع تحوّل عملية السلام إلى آلية لإدارة النزاع لا لإنهائه، لم نعد أمام إطارين سياسيين للمفاضلة، بل أمام واقع واحد تُدار فيه الأرض كوحدة واحدة، بينما يُقسَّم السكان إلى مراتب حقوقية متفاوتة. وأمام هذا الواقع، يبرز حقّ العودة لا كمطلب رمزي، بل كعنصر بنيوي في إعادة تنظيم العلاقة بين الأرض والسكان. وهو حقّ فردي أصيل أقرّه قرار الأمم المتحدة رقم 194، غير قابل للإسقاط ولا يتوقف على التسويات السياسية، كما ينسجم مع صكّ الانتداب الذي نصّ على وطن لليهود لا على دولة يهودية.
وفي هذا الإطار، فإن التفوّق الديمغرافي الفلسطيني ليس مشروعًا سياسيًا طارئًا، بل حقيقة تاريخية منسجمة مع الواقع القائم، ولا يشكّل، ضمن دولة الحقوق المتساوية، تهديدًا لأحد. فالديمقراطية ليست حكم عدد، بل نظام قانوني يقوم على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
غير أن طرح الدولة الواحدة القائمة على المساواة يواجه عقبات جدّية، في مقدّمتها الرفض الإسرائيلي لأي مساس ببنية التفوّق القومي، واختلال موازين القوة، إضافة إلى غياب الحوافز الداخلية لتفكيك منظومة الامتيازات. ومع ذلك، فإن استمرار هذا الوضع القائم على الإقصاء لا يوفّر استقرارًا دائمًا، بل يراكم أزمات بنيوية، كما تُظهر تجارب تاريخية عديدة، من بينها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
في هذا المعنى، لا تُطرح الدولة الواحدة بوصفها تسوية مثالية أو خيارًا أخلاقيًا مجرّدًا، بل كتحوّل مفروض بحكم الواقع القائم. وإذا كان الادعاء السائد أن إسرائيل تمثّل «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، فإن اختبار صدقية هذا الادعاء لا يكون بالاستثناء أو التفوّق، بل بالاحتكام إلى المعيار الديمقراطي ذاته: المساواة القانونية الكاملة. فإذا كانت ديمقراطية فعلا، فلتتحمّل حقّ العودة. جنابك.







