تهاني تكتب: ما وراء الخبر.. جعجعة بلا بوصلة
تهاني روحي
لم يعد التحدي في المشهد الإعلامي اليوم هو الوصول إلى الخبر؛ فالأخبار باتت تلاحقنا أينما كنا وعلى مدار الساعة. التحدي الحقيقي هو فهم ما وراء الخبر: لماذا يحدث ما يحدث، من يتأثر، ومن يدفع الثمن، وما الذي لا يُقال في العناوين العريضة؟
في خضم هذا الزخم اليومي، تراجع دور التحليل المعمّق لصالح السرعة، وتحول جزء من الإعلام من أداة للفهم إلى مساحة للانفعال. ومع هذا التحول، لم نخسر فقط جودة النقاش العام، بل بدأت تتآكل قدرتنا على قراءة واقعنا الاجتماعي قراءة عادلة، وهو ما ينعكس مباشرة على مفهوم العدالة الاجتماعية.
شئنا أم أبينا، لم تعد الساحة الإعلامية محصورة بالمؤسسات الصحفية التقليدية. منصات التواصل الاجتماعي، والمؤثرون، وغرف التعليق الفوري، فرضوا إيقاعا جديدا. هذا الانفتاح، رغم إيجابياته، خلق ما يمكن تسميته بـ“الجعجعة التحليلية”: آراء سريعة، تفسيرات انفعالية، وثقة عالية بمحتوى هشّ لا يستند إلى معرفة أو تحقق.
ومع الوقت، أصبح النقاش العام أسير ما هو قابل للانتشار، وليس بالفهم. تُرفع قضايا هامشية لأنها رائجة، وتُهمّش قضايا تمسّ صميم العدالة الاجتماعية لأنها معقّدة، أو تحتاج وقتا، أو لا تعطي تفاعلًا سريعًا.
لكن من غير الواقعي الحديث عن أزمة التحليل الإعلامي دون التوقف عند اقتصاد الإعلام. فالمؤسسات الإعلامية اليوم تعمل تحت ضغوط مالية متزايدة: تراجع في عائدات الإعلانات التقليدية، انخفاض الاشتراكات، ومنافسة شرسة من المنصات الرقمية التي لا تتحمّل كلفة الصحافة المهنية. وتشير تقارير دولية إلى استمرار تراجع إيرادات الصحافة الورقية عالميا منذ أزمة جائحة كورونا، ولم تنجح فيه العائدات الرقمية بعد في تعويض هذا الفاقد.
وهنا، تبدأ أولويات التحرير بالتغيّر، عبر منطق السوق، ما الذي يجلب (الكليك)، ما الذي يرضي المتابعين، وما الذي يمكن إنتاجه بأقل تكلفة؟ وهنا تصبح العدالة الاجتماعية، بقضاياها الثقيلة والمعقّدة، أول ما يختزل.
ناهيك عند دور بعض الاعلاميين- المذيعين والمحللين الذين يطالعوننا يوميًا عبر الشاشات ووسائل التواصل. المشكلة هنا ليست في كثرة التحليل، بل في تكرار تحليلات جاهزة بات المتابع يعرف خلاصتها قبل أن تقال، لأنها غالبا لا تستند إلى أرقام أو معطيات قابلة للتحقق، بل إلى آراء جاهزة تُعاد صياغتها بحسب الحدث.
ويبقى الخاسر الأول هو الجمهور. لان غياب التحليل لا يعني نقص المعلومات، بل المزيد من التشويش. نحن نعرف جيدا ما يحدث، لكننا لا نفهم كيف يرتبط ذلك بحياتنا اليومية، ولا ما علاقتنا به كمواطنين.
فخبر ارتفاع الأسعار، الذي ينشط عادة قبل شهر رمضان أو الأعياد. عادة يصاحبه ضجيج على وسائل التواصل من 24 إلى 72 ساعة، ثم يختفي ليحل مكانه خبر آخر. لكن من يتوقف لطرح الأسئلة الأهم؟ من هي الفئة الأكثر تضررًا؟ ما علاقة ذلك بالأجور، ما دور السياسات الاقتصادية، وكيف سيتوزع العبء بين الفئات الاجتماعية؟ وبدون هذه الاسئلة، يتحول الفقر إلى إحصائية، والمعاناة إلى خبر عابر.
ولكن تبقى المعادلة الأصعب، كيف نعيد الاعتبار للتحليل دون تجاهل الواقع المالي؟ نحتاج الى مقاربات عملية، منها تنويع مصادر الدخل الاعلامي مع حماية الاستقلال التحريري، وخلق مساحات ثابتة للتحليل الأسبوعي تعيد التوازن بين سرعة الخبر وعمق الفهم، وتمنح القارئ ما لا تمنحه منصات التواصل.
أكتب هذا المقال لا من باب السوداوية أو جلد الواقع، بل من خلال مشاهدات طويلة في وقت نشهد فيه أزمة ثقة مع ما يُقدم باسم الإعلام. لسنا نطالب بإعلام متعال أو منفصل عن الناس. بل على العكس، الإعلام الحقيقي يبدأ من الواقع، لكنه لا يتوقف عنده. إعلام يطرح أسئلة صعبة بدل الاكتفاء بإجابات سهلة.
الإعلام ليس بريئا حين يكتفي بخبر سطحي. حينها لا نخسر التحليل والرؤية العميقة فقط، بل نخسر البوصلة الأخلاقية التي تجعل من الإعلام شريكًا في بناء مجتمع أكثر عدلًا. فما وراء الخبر هو ما يصنع الوعي، والوعي هو الطريق الأصدق نحو عدالة اجتماعية لا تُختزل في الشعارات، بل تُمارس في الحياة اليومية.







