العتوم يكتب: ضربة تحت السيطرة… حين تتحول تهديدات ترامب إلى أداة تفاوض أخيرة مع إيران

{title}
أخبار الأردن -

د.نبيل العتوم

قد نكون بالفعل على مسافة قصيرة من ضربة عسكرية أميركية محدودة وسريعة ضد إيران، ضربة لا تشبه الحروب التقليدية، ولا تهدف إلى إسقاط النظام فورًا، بقدر ما تسعى إلى تثبيت مصداقية تهديدات أطلقها دونالد ترامب بصيغة شرطية واضحة: إذا استُهدف المتظاهرون، فسيُستهدف جهاز القمع وأدوات النظام الأمنية . في هذا السياق، تبدو الضربة أقرب إلى رسالة نارية محسوبة، متفق ربما على حدودها سلفًا، ومصممة بعناية كي لا تنزلق إلى مواجهة شاملة خارجة عن السيطرة.

المنطق الذي يحكم هذا السيناريو ليس عسكريًا صرفًا، بل سياسي استخباري بامتياز. واشنطن لا تبدو في وارد فتح حرب شاملة و مفتوحة، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تبدو عاجزة أو مترددة بعد رفع سقف التهديد. لذلك، فإن ضربة محدودة، دقيقة، ومركزة على أجهزة الأمن وأدوات القمع وضربه سيبرانية ، قد تكون الخيار الأمثل لإعادة ضبط المعادلة وإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف.

بعد الضربة، لن يكون المشهد مفتوحًا على المجهول طويلًا ، على العكس، ستكون طاولة التفاوض جاهزة وبسؤال أميركي مباشر لا يحتمل التأويل: هل قررتم التخلي عن برنامجكم النووي والصاروخي ودعم وكلاؤكم أم لا؟ والتخلي هنا لا يُقصد به مجرد تعهدات لفظية أو تفاهمات رمادية، بل إجراءات قاسية وواضحة، تبدأ بتسليم اليورانيوم المخصب فوق النسب السلمية، مرورًا بتفكيك أجهزة الطرد المركزي وتسليمها ، وصولًا إلى إشراف أميركي مباشر على تفكيك البرنامج الصاروخي الباليستي وفق آلية شفافة ومشددة .

إذا قالت طهران نعم، فإنها تكون قد دخلت عمليًا مسار نموذج الاستسلام الليبي، مسار الإضعاف الممنهج الذي قد لا يُسقط النظام فورًا، لكنه يغير طبيعته، ويقيد حركته، ويفتح الباب لاحقًا أمام تغيير أعمق في بنية الحكم أو في النظام نفسه. أما إذا كان الجواب لا، فإن النظام الإيراني يكون قد اختار المواجهة حتى النهاية، مواجهة متعددة الجبهات، تبدأ بالستمرار بسياسة الضغوط القصوى ، ما يفاقم الاحتجاجات الداخلية بشكل أشد، ولا تنتهي عند احتمال حرب أكثر شراسة وأوسع نطاقًا.

في هذا المشهد، من اللافت أن الضربة المتوقعة ستكون أميركية على الأرجح، لا إسرائيلية ؛ فالرسالة هنا يجب أن تصدر من واشنطن مباشرة، وباسمها، لأنها الطرف الذي يملك مفتاح التفاوض ، ورفع العقوبات، وهو ما لا تستطيع تل أبيب تقديمه. وتشير القراءة الاستخبارية لغاية كتابة هذه السطور إلى أن مثل هذه الضربة قد سبقها رسائل غير معلنة عبر وسطاء خلفيين، تتضمن تحذيرًا من مواقع الاستهداف أو على الأقل من طبيعة الضربة، بهدف إبقائها ضمن حدود السيطرة ومنع الانفجار الكبير. هذا النمط من “الإخطار غير المعلن” ليس جديدًا في عالم النزاعات ، بل هو أداة مستخدمة عندما يكون الهدف الضغط لا التفجير الشامل.

ومع ذلك، يبقى هامش المفاجأة حاضرًا بقوة، خاصة حين يكون دونالد ترامب هو اللاعب الرئيسي؛ فالرجل القادر على اتخاذ قرارات حادة ومفاجئة وغير متوقعة قد يخرج مساءً ليعلن الذهاب إلى المفاوضات دون أي ضربة، وقد يقرر تنفيذ تهديداته دفعة واحدة. في النهاية، نحن أمام مرحلة شديدة السيولة، حيث كل الاحتمالات مفتوحة، وما بين الضربة والمفاوضات، يقف النظام الإيراني أمام أخطر اختبار وجودي منذ قيامه، بينما يترقب العالم أي شرارة قد تعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة من جديد .

 

 


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية