الزعبي يكتب: شركات تحمي دولا.. حين تصبح التكنولوجيا مظلة للسيادة

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عبدالله سرور الزعبي


لم تعد الدول تُحمى بالجيوش وحدها، ولا بحجم الترسانة. بل، انتقلت القوة من الثكنات العسكرية، إلى مختبرات الغرف النظيفة، والرقائق الدقيقة. اليوم، توجد شركات تحمي دولًا بأكملها، لأن العالم الحديث لا يعمل بدون ما تنتجه. 
 

السيادة، أصبحت لمن يسيطر على مفاتيح التكنولوجيا القائم عليها الاقتصاد العالمي، والأمن القومي، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد الحيوية. في هذا العالم، لا تتصدر بعض الشركات نشرات الأخبار، لكنها حاضرة في كل هاتف ذكي، وكل طائرة، وكل نظام دفاع، وكل خوارزمية. وإذا تعطّلت، تعطّل معها العالم.
هنا، لا نتحدث عن شركات عملاقة بالمعنى المالي فقط، بل عن احتكارات سيادية فرضتها الفيزياء، جعلت دولًا صغيرة جغرافيًا، لكنها مركزية استراتيجيًا، أكبر من حجمها بكثير. هنا تقف أمام شركة ASML الهولندية، وTSMC التايوانية.
ASML وTSMC، ليست قصص في عالم الأعمال، بل نماذج للسيادة، تُصاغ بالعلم، وتُحمى بسلاسل التوريد. فهولندا لم تصبح مركزًا في معادلة القوة لأنها قوة عسكرية، وتايوان لم تحظَ بكل هذا الاهتمام الدولي لأنها جزيرة فقط، بل لأنهما تحتضنان شركات، لا يستطيع العالم الاستغناء عنها.
هنا لا نناقش التكنولوجيا بوصفها تطورًا صناعيًا فحسب، بل لطرح سؤالًا أخطر، كيف أصبحت هذه الشركات أدوات حماية لدولها؟ وكيف غيّرت مفاهيم السيادة والقوة في القرن الحادي والعشرين؟ والأهم، أين نقف نحن من عالم أصبحت تُدار فيه السياسة من داخل المصانع؟
نبدأ من حيث يبدأ النقاش الحقيقي عن القوة، لا من حيث ينتهي الخبر.
هولندا، لا تُعرف بقوتها العسكرية، إلا أنها تمتلك شركة تُمسك بمفتاح لا يملكه أحد غيرها. شركة ASML، الوحيدة القادرة على تصنيع آلات الطباعة الضوئية فائقة الدقة (EUV)، التي لا يمكن بدونها إنتاج الرقائق المتقدمة، بدقة 7 و5 و3 نانومتر، بوابة الدخول إلى المستقبل الرقمي.
هذه الآلات، سعر الواحدة يقترب من 200 مليون دولار او يزيد، وتُبنى عبر شبكة معقدة، ويستغرق تصنيعها سنوات، ولا يمكن نسخها بسهولة، ولا يعوض غيابها. 
وهنا يطرح السؤال، كيف تحمي شركة ASML هولندا؟
بدون ASML، لا تستطيع شركات TSMC وSamsung وIntel وغيرها، من إنتاج أحدث الرقائق، والتي بدونها يتوقف تطوير الذكاء الاصطناعي، وتتجمد الصناعات العسكرية الدقيقة، ويتعطل الاقتصاد الرقمي العالمي. لذلك تعتبر ASML احتكار تقني، فرضته الفيزياء قبل الاقتصاد. 
لهذا السبب، أصبحت ASML أصلًا سياديًا في معادلة الأمن القومي الأميركي قبل الأوروبي، وتحمي هولندا بالتحالفات التلقائية، قبل الجغرافيا، ولاعبًا لا يمكن تجاهله في السياسة الدولية، وأي تهديد لهولندا لن يكون شأنًا محليًا، بل تهديدًا مباشرًا لسلاسل التكنولوجيا العالمية. هكذا، تحمي آلةٌ دولةً كاملة، بقوة الضرورة.
إذا كانت ASML تصنع الأداة، فإن TSMC التايوانية تصنع العالم نفسه.
شركة TSMC، تنتج أكثر من 60 % من الرقائق عالميًا، وأكثر من 90 % من الرقائق المتقدمة (اقل من 7 نانوميتر). كل هاتف ذكي، ومركز بيانات، وتطبيق ذكاء اصطناعي، وطائرة شبحية ومسيّرة متقدمة، وغيرها، تمر بشكل مباشر أو غير مباشر عبر مصانعها.
أكبر شركات العالم، Apple وNvidia وAMD وQualcomm، وغيرها تعتمد عليها. ولا يوجد بديل قادر على تعويض انتاجها، بالحجم، والدقة، والموثوقية.
أي خلل في إنتاج TSMC يعني شللًا عالميًا. تجربة جائحة كورونا كانت مثالًا مصغرًا، أزمة الرقائق، رغم جزئيتها، كلّفت الاقتصاد العالمي أكثر من 500 مليار دولار خلال عامين. 
TSMC أصبحت تعرف بدرع السيليكون الذي يحمي تايوان، أكثر من أي منظومة دفاع تقليدية. إذا تعطلت مصانعها، العالم كله خاسر بما في ذلك خصوم تايوان. 
وبالتالي، فهي ليست مجرد شركة وطنية، بل تأمين جيوسياسيا عالي القيمة جعل تايوان مركزًا لا يمكن تدميره بسهولة دون ثمن عالمي فادح.
تبدو ASML الهولندية وTSMC التايوانية مجرد شركتين صناعيتين، لكن في الحقيقة، هما عمودا الخيمة غير المرئيين للحضارة الحديثة. لو توقفتا عن العمل، ستكون كارثة بنيوية للعالم. لا نتحدث هنا عن ركود، بل عن انهيار رقمي، وسيكون شبيهًا بإطفاء الكهرباء عن العالم الرقمي دفعة واحدة. 
يبدو العالم اليوم واسعًا، ومتشابك القوى، ومتعدد الأقطاب. لكن خلف هذا المشهد المعقد تقف حقيقة صادمة، الحضارة الحديثة، تقوم فعليًا على شركتين، ASML الهولندية، وTSMC التايوانية. هكذا، تحولت الشركات إلى مظلات سيادة، لا تقل أهمية عن الجيوش.
هنا يصبح السؤال فلسفيًا بقدر ما هو سياسي، هل تقدّم البشرية مضمون إذا تعطلت أدواته الأساسية؟
في عصر الرقاقة الدقيقة، القوة ليست لمن يملك الترسانة، بل لمن يملك الآلة التي تطبع العقل.
هذا الواقع يفسّر لماذا تحوّل الصراع بين الولايات المتحدة والصين من استعراض عسكري مباشر إلى صراع على سلاسل التوريد التكنولوجية. واشنطن لا تمنع الصين من امتلاك السلاح، بل تمنعها من امتلاك الآلة التي تصنع عقل السلاح.
لذلك، فُرضت قيود على تصدير تقنيات ASML المتقدمة، وعلى شرائح Nvidia وAMD. الصين، رغم استثماراتها الضخمة، ما زالت متأخرة جيلاً على الأقل في تقنيات EUV، وشرائح شركة TSMC، ولا تملك بديلًا ناضجًا حتى الآن.
اليوم، من يسيطر على الرقاقة، يسيطر على الذكاء الاصطناعي. ومن يسيطر على الذكاء الاصطناعي، يسيطر على إيقاع الحياة اليومية. وبالتال أصبحت شركات TSMC وASML أدوات سياسة خارجية، وقرارًا سياديًا لا اقتصاديًا فقط.
وسط هذا المشهد العالمي، يبدو الأردن بعيدًا ظاهريًا عن عالم الرقائق الدقيقة. لكنه، في العمق، يمتلك أحد مفاتيح الدخول الصامتة إلى هذه المنظومة، السليكا عالية النقاوة، التي يبدأ منها كل شيء.
السيليكون الذي تُصنع منه الرقائق، يحتاج إلى خامات ذات خصائص دقيقة ونِسب شوائب منخفضة. الأردن يمتلك الاحتياطيات الكبيرة من السليكا، لكنها ما زالت تُدار بوصفها مادة خام تقليدية، لا أصلًا سياديًا، لا تقل أهمية عن الطاقة أو المياه.
لا يُطلب من الأردن أن يبني TSMC أو ينافس ASML. لكن يمكنه أن يكون حلقة ذكية في سلسلة القيمة، وموردًا موثوقًا للمواد عالية النقاوة، وشريكًا في مراحل التنقية والمعالجة، وجزءً من منظومة عالمية تبحث اليوم عن تنويع مصادرها وتقليل مخاطرها الجيوسياسية.
القيمة لا تُصنع في الاستخراج، بل في التنقية، والمعالجة، والبحث، والربط مع الصناعة. الفرق بين رمل عادي ورمل يدخل صناعة الرقائق هو فرق قرار وإرادة، وشركات تكنولوجية ذكية، وقادرة على نقل المعرفة، وتنظر إلى الاستثمار طويل الأجل، لا الاستثمار بالنتائج الفورية، ومراكز بحثية متطورة.
هنا تظهر الفجوة الأردنية الحقيقية، ليست في الكفاءات البشرية، بل في غياب منظومة بحثية موجهة للصناعة. الجامعات تمتلك عقولًا، لكنها لا تمتلك مراكز بحث مرتبطة مباشرة بسلاسل القيمة الصناعية (مراكز أبحاث اشباه الموصلات، تركز على كيمياء السيليكون، ومواد التنقية، والتطبيقات الصناعية، والربط مع الصناعة ككل).
الفجوة ليست في الذكاء، بل في القرار والتوجيه والتمويل، والدخول الجاد إلى هذا العالم، وهنا أذكر أن هناك قرار صادر عن مجلس الوزراء بتاريخ 12/2/2013، بالطلب من وزير التعليم العالي وضع استراتيجية وطنية للتقانات النانوية، وإطلاق مبادرة للتقانات النانوية، باسم جلالة الملك، وانشاء الغرف النظيفة، وكان التمويل جاهز (8 مليون دينار) من قبل صندوق دعم البحث (كنت عندها مديراً عاماً للصندوق)، الا انه ومع كل اسف لم ينفذ من قبل المعنيين. وبذلك أصبح التأخير في البدء أخطر من بطء النتائج.
السؤال، هل نستطيع ان نبدأ؟ الجواب، نعم بشريًا، ولا، في ظل غياب إرادة الادارة التنفيذية، والنقص في التمويل، الا إذا أصبح التنفيذ بيد القطاع الخاص.
فهل نبدأ، أم ننتظر عقدًا آخر لندرك أننا تأخرنا؟ وهل نملك الإمكانات؟ 
الأردن يمتلك عناصر نادرة، المادة الخام، واستقرار سياسي، وقيادة هاشمية صاحبة رؤية، وسمعة دولية، وموقع جيواستراتيجي. هذه ليست افتراضات نظرية، بل نقاط قوة، قابلة للتحويل إلى نفوذ إذا أُديرت بعقل تنفيذي وسيادي طويل النفس.
هل نحن جاهزون، للذهاب في تقديم التسهيلات للشركات الراغبة في الاستثمار لتطوير السليكا عالية النقاوة N4 وN6 وأعلى، شركات جوهر استثمارها رؤية طويلة النفس، ومنحها الامتيازات قصيرة وطويلة الأجل؟ ان مثل هذا المشروع، لا يحتاج كثافة سكانية، ولا يتطلب سوقًا محلية ضخمة، ولا يصطدم بالقيود الجيوسياسية، ويستثمر في الاستقرار والسمعة الدولية. هي كلها نقاط قوة أصيلة، لا افتراضات نظرية. وتمكن الأردن الانتقال من هامش الاستهلاك إلى دائرة الشراكة، ومن موقع السوق إلى موقع الحلقة الضرورية في سلاسل التوريد العالمية. فالعالم يبحث عن مصادر آمنة ومتنوعة للمواد الحساسة، والاستقرار السياسي، وهي ميزة أردنية لا تُقدَّر بثمن.
اليوم، لم تعد القوة في عدد الجنود ولا في اتساع الجغرافيا، بل بالقدرة على الدخول إلى قلب الصناعات العالمية. السليكا الأردنية قد تكون، أفضل وأقصر طريق للوصول للسيادة.
كما حمت ASML هولندا، وTSMC تايوان، يمكن لأصل استراتيجي (كالسليكا) مُدار بذكاء أن يرفع الوزن التفاوضي للأردن، ويجعلها جزءًا من أمن سلاسل التوريد العالمية، لا هامشًا فيه، شريطة أن نتوقف عن التعامل معها كخام جاهز للتصدير، وتستنزف في الاستخدامات التقليدية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية