أبو طير يكتب: لماذا يسهل التجنيد والاختراق؟
ماهر أبو طير
أكثر سؤال ملفت للانتباه يتعلق بسهولة تجنيد العملاء في المنطقة، برغم أن الموانع العقائدية والأخلاقية والوطنية يجب أن تحول دون ذلك، وهي تشكل حصانة، لكنها لا تثبت دائما أمام حالات نراها.
طوال عقود ونحن نقرأ ونسمع عن شبكات العملاء في كل مكان، من فلسطين إلى لبنان، مرورا بسورية، وتركيا، وإيران ودول ثانية، وهي شبكات تتبع إسرائيل أو الولايات المتحدة، ونادرا ما سمعنا عن شبكات عربية وإسلامية أقامتها دول المنطقة في إسرائيل مثلا، أو دول ثانية.
برغم وجود موانع عقائدية وأخلاقية ووطنية، إلا أن هناك أدلة كثيرة على وجود هشاشة في بنية المنطقة، ومحاولة تفسير سهولة التجنيد لصالح أجهزة أجنبية، بوجود مظالم أو أحقاد أو فقر أو حاجة، محاولة للهروب من الإقرار بحقائق مؤلمة، ويكفي ما نراه اليوم من الشبكات في إيران مثلا، أو لبنان، أو غزة، مع الإدراك بطبيعة الحال أن الغالبية العظمى لا تتورط، وأن شعوب المنطقة تتجنب هكذا مآلات خطيرة.
يخضع الذي يتم تجنيده لاعتبارات كثيرة، من بينها الحاجة إلى المال، أو التسهيلات، أو لوجود مصالح، أو تحت الضغط والابتزاز أو الحقد والغضب، أو الافتتان بالعدو أو الأقوى، لكن السؤال التفصيلي يرتبط باستعداد كثرة أن تذبح عنق بلادها تحت حجج وذرائع مختلفة.
في حالات رأيناها تم استعمال بدلاء وواجهات وكيلة عن الاحتلال، مثل بعض المجموعات في غزة، وبعض تنظيمات المعارضة العربية والإسلامية التي يتم اختراقها لتولي مهمات جمع المعلومات أو التجسس، أو حتى مشاريع سياسية ينضم إليها البعض عن وعي أو جهل، فيما هو يصب في مصلحة المشغل الأصلي الكامن في العتمة.
هل وجود المظالم كما في إيران يسمح بتورط إيرانيين بالعمل لصالح أجهزة أمنية أجنبية، والأمر ذاته ينطبق على لبنان الذي يعطي فيه الكره الديني أو المذهبي الرخصة للبعض للتجسس وبث المعلومات ضد لبنان، وفي قطاع غزة تأتي المظلة الخادعة تحت مسمى الانتماء الى تنظيم آخر يستهدف تنظيما معينا، فيما الحالة السورية تستثمر اليوم واستثمرت خلال الربيع العربي في عناوين كثيرة داخل سورية.
الأمر ربما يشمل دولا عربية وإسلامية أكثر بكثير من هذا، إذ في تركيا وحدها تم إلقاء القبض على أتراك يعملون مع الموساد، وربما هناك شبكات فاعلة لا يعرف عنها أحد في دول عربية وإسلامية متعددة أو وسط الجاليات العربية والإسلامية في المهاجر البعيدة.
هذه ظواهر خطيرة يقابلها ضعف شديد في النشاط المعاكس، وهذا يعني أان الساحات العربية والإسلامية مفتوحة لكل الأجهزة للعمل، وكأن هناك استعدادا فطريا، لدى البعض للتورط في هذه الأعمال.
السيكولوجيا هنا لا تكفي لتفسير سهولة الاختراق، لأن هذه الحالة لها كلفة أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية، بما يفرض على الدول الواعية إعادة النظر في كل هذا الملف، ولماذا يسهل التجنيد من جانب أجهزة أمنية في العالم، في هذه المنطقة الحساسية والرخوة أيضا؟.
إذا عدنا إلى التاريخ هناك حالات شهيرة لمن ساعد الاحتلال، أو فتح بوابات مدينته لدخول القوات المحتلة، وإذا كانت الظاهرة قد تبدو عالمية وموجودة لدى شعوب ثانية خصوصا في الأزمات والحروب، إلا أن رصدها وتحليلها في منطقتنا خلال العقدين الماضيين أمر مهم.

