خطاطبة يكتب: إربد.. تخريب مقنع باسم التطوير
محمود خطاطبة
سمّها ما شئت، وأطلق عليها من الصفات ما تشاء، فلتقُل مثلًا بأنها عملية «تدمير» مُمنهج، أو تخريب، أو إهمال مُتعمّد، أو مسح ذاكرة، جذورها ضاربة في عُمق التاريخ، أو تغيير ملامح، أو عدم صون هوية، أو محو معالم، تُراثية وتاريخية.. ذلك ينطبق تمامًا على «الفعلة» التي أقدمت عليها بلدية إربد.
فما بين بيتي عبادة (مسجد وكنيسة)، وثلاث مدارس تاريخية، تُعتبر من أقدم مدارس الأردن، ومبنى تُراثي (السرايا)، تُقيم بلدية إربد حديقة، أو مُتنفسا «حيويا»، أو مشروع «تطوير»، أقل ما يُقال عن هذ الإجراء بأنه لا يعتمد أي تخطيط، ولا يدل على وجود انتماء، ولا يوحي بأنه يُحافظ على إرث تاريخي لمدينة عريقة.
ثم يأتي قائمون على المشروع ليؤكدوا لنا بأنه يهدف بالدرجة الأولى إلى «حماية الموروث التاريخي، والحفاظ على الهوية المعمارية العريقة لمدينة إربد»!.. ولا أحد يعلم كيف يتم ذلك؟.
أيُعقل أن يتم إنشاء حديقة بين 3 مدارس تاريخية، تُعتبر من أهم مدارس الأردن، هي: ثانوية إربد التي تأسست في العام 1900، وكامل الصباح التي شُيدت في العام 1899، والشهيد وصفي التل الصناعية، التي أُفتتحت في العام 1962، مع العلم أنها بدأت باستقبال الطلبة في العام 1959.. وفي الوقت نفسه يقول مسؤولون إن «ثانوية إربد»، لن تتأثر، كيف ذلك؟، والمشروع سيقضم جزءا كبيرا من أراضيها، أما «المدرسة الصناعية»، فقد تم البدء بهدم مشاغلها، حيث كان الطلاب يتدربون عمليًا فيها.
وكيف تستقيم العملية التعليمية في تلك المدارس، أمام وجود حديقة، حتمًا سيرتادها الكثير على اختلاف توجهاتهم، وأعمارهم، وثقافاتهم، واهتماماتهم، ما يؤثر سلبًا على تعليم طلاب هذه المدارس.. ثم أنها ستؤثر أيضًا على العبادة، كون «المنطقة» فيها مسجد وكنيسة، ومعلوم بأن بيوت العبادة تحتاج إلى هدوء، كي تصفو النفس عند مُناجاة رب العالمين، ناهيك عما سيُخلفه مُرتادو الحديقة، من نفايات ستؤثر حتمًا على نظافة بيتي العبادة.
هُناك مثل شعبي يقول: «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أتعجب أو استغرب»، ينطبق على أولئك الذين يبررون إنشاء «حديقة» في أهم منطقة بمدينة إربد، وهي ما تُعرف بـ»التل»، أو كما كان يحلو للبعض وصفها بـ»المنطقة»، حيث كانت وما تزال مركزًا لعدة أجهزة أمنية وعسكرية.
فهؤلاء المسؤولون يؤكدون بأن هذه المنطقة تتضمن «معالم أصيلة، وتُراثية، وتاريخية»، وهذا كلام «زين» ويُصدق، ثم يقومون ببناء حديقة أمام وبجانب هذه المعالم، بحجة «تطوير» وسط إربد، وهذا فعل يدعو للتعجب والاستغراب، لا بل والاستهجان.
ثم كيف يُطلق على هذا المشروع بـ»مُتنفس حيوي»، وهو من الناحية الشمالية الغربية يطل على مقبرة، ومن الناحية الشمالية الشرقية، يطل على سوق «البالة»، حيث الضجيج والعشوائية، وحتى من الناحية الجنوبية، بعد مبنى البلدية فهو يطل على «الحسبة»، التي سمتها الأساس عدم الهدوء.. فعلًا ما أجمل مثل هذا «المُتنفس»!.
قبل نحو ستة أشهر، كتبت في هذه الزاوية بأن هوية مدينة إربد التاريخية والتُراثية، باتت على مهب الريح، فما يُخطط لهذه المدينة يُثبت بأن هُناك تعمدًا واضحًا لعدم صون هويتها، أو تغيير ملامحها، أو العبث بذاكرتها، الأمر الذي يؤدي بالنهاية إلى «تدميرها» أو لنقُل تدمير تُراثها وتاريخها.. لكن لا يوجد مُهتمون أو مُصغون.
فلا أحد يجرؤ على الإجابة على سؤال: «لماذا يتم هدم المباني القديمة في هذه المدينة العريقة؟»، فقبل أشهر قليلة بدأت عملية إزالة أو هدم بيت شُيّد في العام 1910، يقع خلف المسجد الهاشمي، أي قبل نحو قرن و15 عامًا، وقبل ذلك تم هدم العديد من البيوت التُراثية أو التاريخية، أو على الأقل تدل على قدم إربد.
للأسف، تحت مُسميات عدة، من قبيل حديقة أو مُتنفس أو تطوير، أو مشروع عمراني، نحن أمام عملية مُمنهجة لمحو معالم مدينة ضاربة جذورها في التاريخ، وبالتالي سحق ذاكرة تمتد لمئات من الأعوام.
ولا أحد يستطيع الإجابة أيضًا على سؤال لماذا «تل إربد»؟، أو «المنطقة»؟، خصوصًا أن هذه المدينة، لا ينقصها الكثير من المساحات، تصلح لإقامة حدائق عليها، ولكن يبدو أننا أمام تدمير في شتى الاتجاهات، فبعد تدمير الأراضي الزراعية، وجعلها إما سكنية أو تجاربة، بدأ التوجه إلى الأماكن التاريخية والتُراثية.
وكأننا أمام عملية لـ»تجريع» السُم، حيث كانت البداية منذ أعوام، عندما تم هدم البيوت القديمة الملاصقة والقريبة من «بيت النابلسي»، أقدم بيت في إربد، إن لم يكُن في المملكة، ثم أُنشئ مكان هذه البيوت حديقة، ليتفاجأ أهل إربد، بعد فترة وجيزة، لتوحيلها إلى مجمع باصات قُرى شمال المدينة.
ولا أتفاجأ أبدًا إذا ما تم تحويل «الحديقة الجديدة» إلى مُجمع للباصات، أو مكان لـ»السرافيس».. لنقول في الأخير عندما لا ينفع الندم «يا خسارة إربد، وتاريخها، وتُراثها»، وهذه صرخة لعل صداها يصل إلى مسؤول أو أُناس ما يزال حُب هذه المدينة مغروز في قلوبهم.

