منصور يكتب: الموتى لا يكذبون

{title}
أخبار الأردن -

 

 

د.عاصم منصور


أذكر أنني قد قرأت وأنا لم أزل طالبًا في المرحلة الثانوية قصة قصيرة خانتني الذاكرة في تذكر عنوانها واسم كاتبها، لكنها لم تفارق مخيلتي منذ ذلك الحين، وتدور القصة حول زوج يفقد زوجته ذات ليلة شديدة البرودة والمطر بسبب التهاب حاد في الرئة، ويتأثر كثيرًا لفقدها حتى بات يزور قبرها  كل ليلة، وفي إحدى الليالي ضل طريقه بين القبور ليتفاجأ بالموتى يخرجون من قبورهم ليقوموا بتعديل العبارات المنمقة التي كتبت على شواهدها واستبدالها بأخرى تكشف حقيقة خباياهم.
 

لجأت إلى صديق يتمتع بذاكرة أفضل من ذاكرتي «تشات جي بي تي» أسأله المساعدة في البحث عن هذه القصة، ولم يخيب ظني إذا أخبرني أنها قصة «الموتى لا يكذبون» للكاتب الفرنسي الشهير جي دو موباسان.
لا شك أن الفكرة التي داعبت خيال موباسان ونقلها لنا حول خروج الموتى من قبورِهم ليلاً ليعدّلوا ما كتب على شواهدها، فكرة قصصية تشاؤمية ومرعبة في نفس الوقت، لكنها تحمل بين طياتها نقدًا قاسيا لطريقتنا في كتابة السير بعد الرحيل.
فعادةً ما تختصر حياة الإنسان بحسناته وسيئاته وفضائله وسقطاته وأحلامه التي تحطّمت والتي تحقّقت، في سطر أو سطرين على شاهد قبره: «قضاها في أعمال البر والتقوى».في ليلة بعث الموتى المتخيَّلة تلك، تتحول المقبرة إلى محكمة صدق صامتة بلا شهود ولا محامين ولا قضاة، حيث يقف كل واحد أمام اسمه المنقوش على الحجر متسائلا: هل هذا حقًّا أنا؟ وهل أختزلت حياتي في هذه الكلمات؟ 
لا تقتصر هذه الممارسة على شواهد القبورِ فقط؛ بل يسبقها تزيين سيرنا الذاتية، وصفحاتنا على وسائل التواصل، ويتلوها المبالغة «في ذكر محاسن الموتى» في خطب التأبين، وعبارات التعزية، حيث نبني لأنفسنا ولمن نحب صورة مثالية نطمح أن نرسخها في أذهان الناس، ثم نخشى اليوم الذي تنكشف فيه هذه الصورة أمام مرآة الحقيقة.
في موروثنا الديني نؤمن أن الشاهد الحقيقي علينا ليس الحجر ولا العبارات المنمقة والمستهلكة، بل الأعمال التي تقيد وتُعرض: }يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ{، ومع ذلك، ينشغل معظمنا بما سوف يكتب على الحجر وفي صفحات النعي أكثرَ مما ينشغل بما سيقيد في الصحائف، ونفرح بعبارة منمّقة على القبر، وننسى أن حقيقة الإنسان عند ربه لا تتجمل بالصياغة الأدبية، بل تقاس بصدق النية ونقاء السريرة وعدل المعاملة وعمق الصلة بالخالق.
الدرس العميق الذي تطرحه هذه الفكرة هو دعوةٌ إلى أن نكتب نسختنا الصادقة ونحن بعد أحياء، لا بعد أن نقوم من قبورنا كما تخيل كاتب القصة. أن نكتبها ليس بالحبر ولا بمفاتيح أجهزتنا الذكية، بل بالاختيارات اليومية الصغيرة، وفي شكل علاقتنا بالخلق والخالق وفي سلوكنا حين لا يرانا أحد. فنحن نقوم كل يوم بكتابة سطر جديد في شواهدنا الحقيقية، سطر لن نستطيع تعديله بعد فوات الأوان.
لو قُدر لأحدنا أن ينهض بعد موته، ويقف أمام شاهد قبره، ليمحو ما كتبوه ويكتب جملة واحدة تعبر عنه، ماذا كان سيكتب؟ وهل سيرضى بتلك العبارات المكررة، «قضاها في أعمال البر والتقوى»، أم سيبحث عن جملة أقل ادعاء وأكثر صدقًا؟ فليست المشكلة في جمال العبارة، بل في مطابقتها للواقع، ولربما كان أجمل ما يكتب على شاهدِ قبر إنسان: أخطأ وأصاب، لكنه كان صادقًا مع ربه ومع نفسه ومع الناس.
عندها فقط، لن نحتاج إلى ليلة يخرج فيها الموتى ليبوحوا بالحقيقة، لأن الحقيقة سوف تكون قد كتبت سلفًا.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية