الدرعاوي يكتب: سماسرة المعاملات

{title}
أخبار الأردن -

 

 

سلامة الدرعاوي


ظاهرة سماسرة المعاملات ليست حالات فردية عابرة يمكن التغاضي عنها، لكنها وبكل أسف تحولت إلى مشكلة متكررة تمس شريحة واسعة من المواطنين، وتكشف عن نمط غير قانوني منظم يستغل حاجة الناس لإنجاز معاملات تأمين وترخيص مركباتهم.
 

الجهات المعنية، وفي مقدمتها الاتحاد الأردني لشركات التأمين، تتلقى بشكل متزايد شكاوى من مواطنين يؤكدون أنهم دفعوا مبالغ مالية كبيرة وأقساطًا اعتقدوا أنها قانونية، قبل أن يتبين لاحقًا أنهم وقعوا ضحية أشخاص غير مرخصين انتحلوا صفة ممثلين عن المكتب الموحد.
جوهر المشكلة لا يكمن في الإجراءات الرسمية أو في منظومة التأمين ذاتها، لكن في الالتفاف عليها، فالمواطن الذي يراجع المكتب الموحد داخل حرم الترخيص لا يواجه هذه الإشكاليات، بينما تبدأ دائرة الخطر خارج هذا الحرم، حيث ينشط سماسرة معاملات يتواجدون في مكاتب خدمات أو أماكن قريبة، ويوهمون المراجعين بأنهم موظفون أو مندوبون معتمدون، مستغلين الازدحام ورغبة المواطن في اختصار الوقت والجهد.
وبمجرد أن يثق المواطن بهذه الرواية، يسلم أوراقه الثبوتية ووثائق المركبة، معتقدًا أنه يسلك الطريق الأسهل، دون أن يدرك أنه يفتح الباب أمام عملية احتيال مكتملة الأركان.
ويعتمد هؤلاء السماسرة على خطاب تضليلي متكرر، يبدأ بالادعاء بأن أقساط التأمين ارتفعت، أو أن المكتب الموحد غير موجود داخل حرم الترخيص، أو أن هناك مخالفات أو حوادث مسجلة على المركبة تستوجب مبالغ إضافية.
وفي حالات أخرى، تُسوّق خدمات جانبية لا علاقة لها بعقد التأمين أو بمتطلبات الترخيص، مثل المساعدة على الطريق أو تسريع المعاملة، لتبرير تقاضي مبالغ تفوق القسط الحقيقي المطلوب قانونيًا، ما يؤدي إلى استنزاف مالي مباشر للمواطن، ويخلق انطباعًا خاطئًا عن كلفة الإجراءات الرسمية.
وبحسب الشكاوى الواردة، فإن عدد هذه الحالات شهد ارتفاعًا لافتًا في الآونة الأخيرة، ما يعكس توسع الظاهرة بدل انحسارها، حيث تكمن خطورتها ليس فقط في الخسارة المالية، لكن في المساس بثقة المواطن بالإجراءات الرسمية، وتعريض بياناته ووثائقه الرسمية لسوء الاستخدام.
ومن المهم التأكيد أن هذه الممارسات تمثل تصرفات فردية غير قانونية، ولا تعكس عمل أو مسؤولية الجهات الرسمية أو شركات التأمين المرخصة، التي تعمل ضمن أطر تنظيمية، وقانونية، واضحة، ومعلنة.
وتشير المعطيات إلى أن تطور أساليب الاحتيال رافق استخدام التطبيق الإلكتروني للاتحاد الأردني لشركات التأمين خلال العام الماضي، فبعد تشديد الإجراءات داخل المكتب الموحد واشتراط حضور صاحب العلاقة شخصيًا، انتقل سماسرة المعاملات إلى مسارات بديلة، تمثلت في استغلال التطبيق الإلكتروني للحصول على الوثائق، ثم استيفاء مبالغ إضافية من المواطنين تفوق القسط الحقيقي، مستغلين جهلهم بالتفاصيل الفنية والإجرائية.
أمام هذا الواقع، تصبح مسؤولية التوعية أولوية لا تقل أهمية عن الرقابة، فمواجهة سماسرة المعاملات لا تبدأ فقط بالإجراءات القانونية، لكن بترسيخ قناعة لدى المواطن بأن الطريق الآمن الوحيد هو مراجعة المكتب الموحد داخل حرم الترخيص، وعدم التعامل مع أي شخص أو جهة خارج هذا الإطار، مهما بدت العروض مغرية أو الإجراءات أسهل.
التهاون في هذا الملف لا يعني سوى استمرار نزيف الثقة والمال، وترك مساحة مفتوحة لممارسات تضر بالمواطن أولًا وبالمنظومة ككل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية