العثامنة يكتب: الفراغ الذي يصنع الأزمات

{title}
أخبار الأردن -

 

 

مالك العثامنة


في الأردن، لم تعد الأزمات الكبرى وحدها هي ما يشغل الرأي العام، بل باتت تفاصيل صغيرة، وملفات عادية، قادرة على التحول بسرعة إلى عواصف جدل وضجيج، بفعل بيئة إعلامية رقمية متوترة، وسوء إدارة للحظة، وتأخر في الشرح والتوضيح، والمشكلة في كثير من الحالات لا تكمن في جوهر القضية، بل في طريقة التعامل معها، وفي الفراغ الذي يُترك حولها، ليتم تعبئته وتجييشه لاحقا بروايات وتأويلات لا تعكس بالضرورة حقيقتها.
 

هذا النمط يتكرر باستمرار، على شكل قضايا مؤسسية، أو نقاشات طبيعية ضمن العمل العام، تخرج عن سياقها المهني، وتتحول إلى اشتباك مفتوح على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تختلط السياسة بالعاطفة، والتحليل بالتحريض، ويُعاد إنتاج الحدث بمنطق المقطع المجتزأ، لا الفكرة الكاملة، وفي هذه البيئة، لا يُكافأ التفسير الهادئ، بل يُكافأ الصوت الأعلى، والعنوان الأشد استفزازا.
في الأصل، فإن النقاش والاختلاف جزء أساسي من الحياة السياسية السليمة، وأدوات الرقابة والمساءلة ليست مدعاة للأزمات، بل ضمانة لها، لكن حين تُدار هذه النقاشات بلغة غير محسوبة، أو تُترك دون إطار واضح، فإنها تفقد مضمونها المهني، وتنتقل إلى ساحة أوسع، تُقرأ فيها الكلمات خارج سياقها، وتُحمّل أكثر مما تحتمل، ليس بسبب خطورة الملف، بل بسبب ضعف إدارة المشهد من لحظته الأولى.
والمشكلة الأعمق تظهر حين يغيب التعامل الإعلامي الحكومي السريع والمتماسك، فلا خطاب واضح، ولا تفسير مباشر، ولا محاولة جادة لوضع الأمور في حجمها الطبيعي، و في السياسة كما نعلم، فإن الفراغ لا يبقى فراغا، بل يتحول إلى مساحة مفتوحة للتأويل، وكل تأخير يمنح الآخرين "المتربصين بطبيعة الحال" فرصة أوسع لفرض سرديتهم الخاصة، سواء كانت دقيقة أو مضللة.
هنا تدخل منصات التواصل الاجتماعي كلاعب رئيسي، لا كوسيلة نقل فقط، بل كأداة تضخيم وإعادة صياغة، بعض الجهات وأبرزها تيارات الإسلام السياسي التي اكتسبت الخبرة الطويلة في دهاء التضليل وتوظيف الأزمات، وهي الأكثر استعدادا وتنظيما، وتجيد العمل في هذا الفضاء، وتعرف كيف تحول أي ثغرة إلى قصة متكاملة العناصر، قائمة على خطاب المظلومية والاستهداف، وهي سرديات سهلة الانتشار، وقليلة الكلفة، وعالية التأثير، في المقابل، يبقى الخطاب الرسمي في موقع رد الفعل، متأخرا، مجزأ، وملاحقا للرواية بعد أن تكون قد ترسخت في وعي الجمهور.
اللافت أن الدولة، في كثير من هذه الحالات، لا تكون أمام أزمة حقيقية، ولا أمام خلل جوهري في القرار أو التوجه، لكنها تخسر معركة الصورة والانطباع، وهذه الخسارة، وإن بدت مؤقتة، وتتراكم مع الوقت، وتُضعف الثقة، وتمنح الانطباع بارتباك غير موجود فعليا، لكنه يُصنع إعلاميا.
الخلاصة أن ما نشهده ليس أزمة سياسية بقدر ما هو أزمة إدارة مشهد، من سوء التواصل، وتأخر الشرح، وغياب المبادرة الإعلامية، وكلها عوامل قادرة على تحويل مسألة عادية إلى أزمة مصطنعة، وفي زمن السرعة لم يعد الاتصال السياسي ترفا أو تفصيلا ثانويا، بل أصبح جزءا أساسيا من الحكم، ومن لا يدرك ذلك، سيجد نفسه في كل مرة أمام أزمة لا وجود لها، سوى في الفضاء الرقمي.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية