القهيوي يكتب: الأردن في عين التحول العالمي: دولة توازن في زمن الانكسارات الكبرى

{title}
أخبار الأردن -

 

 

ليث القهيوي


لم يعد العالم يعيش مرحلة انتقالية يمكن ضبطها بمفاهيم مريحة من قبيل “ما بعد” أو “ما قبل”، بل دخل طورًا أكثر تعقيدًا وخطورة، عنوانه انكسار بنيوي شامل في بنية النظام الدولي. المرجعيات التي حكمت السياسة العالمية منذ نهاية الحرب الباردة تتآكل بوتيرة متسارعة، والقواعد التي نظّمت الصراع والتوازن لم تعد قادرة على كبح الفوضى أو احتوائها. ما نشهده اليوم ليس إعادة ترتيب ناعمة لموازين القوة، بل تفككًا تدريجيًا لمنطق النظام نفسه، حيث تتراجع القواعد أمام الغرائز، ويُدار الصراع بلا أفق سياسي واضح.
 

في هذا السياق، فقدت أدوات القوة التقليدية كثيرًا من فعاليتها. التفوق العسكري لم يعد ضامنًا للاستقرار، والقوة الاقتصادية لم تعد كافية لبناء نفوذ مستدام. القوى الكبرى نفسها تبدو مرتبكة في تعريف مصالحها، مترددة في التزاماتها، ومتقلبة في قراراتها. الصراعات المفتوحة، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، كشفت هشاشة الردع التقليدي، وأظهرت أن العالم بات أكثر قابلية للاشتعال وأقل قدرة على الاحتواء، حتى لدى أولئك الذين اعتادوا إدارة النظام من موقع الهيمنة.
ما يعيشه العالم اليوم لا يمكن توصيفه فقط كفشل في إدارة الأزمات، بل كعجز متنامٍ عن إنتاج معنى سياسي جامع. النظام الدولي لم ينهَر لأنه استُنزف، بل لأنه فقد قدرته على الإقناع. القواعد التي كانت تُدار بوصفها مرجعيات أخلاقية وقانونية تحوّلت إلى أدوات انتقائية، تُستخدم حين تخدم المصالح وتُهمل حين تعيقها. هذا الفراغ القيمي قبل أن يكون سياسيًا، هو ما يجعل الصراعات أكثر حدة، ويُفرغ مفاهيم مثل الشرعية والتوازن من مضمونها العملي.
الأخطر أن هذا الفراغ لا يُملأ بنظام بديل، بل بحالة سيولة تسمح للأقوى بفرض الوقائع، وتُجبر الأضعف على التكيف لا الاختيار. في مثل هذا العالم، لا تُقاس مكانة الدول بقدرتها على الحسم، بل بقدرتها على تفادي الانجرار إلى صراعات لا تملك أدوات إدارتها. هنا تحديدًا، يصبح العقل السياسي لا حجم القوة هو العامل الحاسم في البقاء والتأثير.
التحول الأخطر لا يتمثل في كثرة الأزمات، بل في تزامنها وتشابكها. الحروب لم تعد أحداثًا معزولة، والأزمات الاقتصادية لم تعد دورية أو قابلة للاحتواء السريع، والاستقطاب السياسي لم يعد محصورًا بين معسكرين واضحين. نحن أمام واقع دولي ديناميكي، تتغير فيه التحالفات وفق منطق الضرورة لا القناعة، وتُعاد فيه صياغة الأدوار تحت ضغط اللحظة لا ضمن استراتيجيات بعيدة المدى. هذا الواقع لا يمنح الدول رفاهية الانتظار، ولا يسمح بالتموضع الرمادي طويل الأمد دون كلفة.
الشرق الأوسط، بطبيعته الجيوسياسية المعقدة، كان الأكثر تأثرًا بهذا الانكسار العالمي. الإقليم لم يعد مجرد مسرح للصراعات، بل تحول إلى أداة لإعادة تعريف موازين القوة الدولية. أزماته تتجاوز حدود الدول، وتتشابك مع حسابات القوى الكبرى، وتُدار أحيانًا بمنطق الرسائل السياسية لا بمنطق الحلول المستدامة. في هذا المشهد، يتراجع مفهوم الاستقرار كهدف، ليحل محله منطق إدارة التوتر كحالة دائمة.
وسط هذا المشهد المأزوم، تبرز معادلة دقيقة لا يمكن تجاهلها: ليس كل دولة قادرة على النجاة من زمن الفوضى، وليس كل دولة مؤهلة للعب دور مؤثر دون أن تدفع ثمنًا باهظًا. هنا تحديدًا يبرز الأردن، لا بوصفه حالة استثنائية دعائيًا، بل بوصفه نموذجًا سياسيًا يستحق القراءة الهادئة والتحليل العقلاني.
الأردن دولة محاطة بالأزمات من كل اتجاه، محمّلة بأعباء سياسية واقتصادية تفوق إمكاناتها المادية، ومع ذلك نجحت في الحفاظ على تماسكها الداخلي، واستقرار مؤسساتها، واتزان خطابها السياسي. هذا النجاح لا يمكن تفسيره بالصدفة، ولا بالحياد السلبي، بل بنهج سياسي متراكم قائم على فهم عميق للجغرافيا، وإدراك واعٍ لمحدودية الخيارات، وقدرة عالية على إدارة التوازنات في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
السياسة الأردنية لم تنخرط في مغامرات إقليمية، ولم تنجرف خلف استقطابات حادة، ولم تبنِ قراراتها على ردود فعل آنية أو انفعالية. على العكس، حافظت على مسافة محسوبة من الصراعات دون الانسحاب من مسؤولياتها، وأدارت علاقاتها الدولية بمنطق الدولة لا بمنطق المحاور. هذا النهج منحها هامش مناورة معقول، وجعلها مقبولة لدى أطراف متناقضة، ومؤهلة للعب أدوار هادئة حين تغيب الثقة، وتتعطل قنوات التواصل.
في هذا السياق المضطرب، لا يمكن النظر إلى الدور الأردني بوصفه مجرد سياسة متزنة، بل بوصفه وظيفة جيوسياسية محددة في إقليم يعاني من فائض صدام ونقص عقلانية. الأردن لا يؤدي دور التوازن لأنه اختار الحياد، بل لأنه ملأ فراغًا موضوعيًا لم تستطع دول أخرى ملأه. قدرته على التواصل مع أطراف متعارضة، واحتفاظه بخطاب سياسي غير تصادمي، جعلاه جزءًا من معادلة الاحتواء لا من معادلة التفجير.
هذه الوظيفة ليست ترفًا سياسيًا، بل عنصر استقرار إقليمي حقيقي. في لحظات الانسداد، تصبح الدول التي تحافظ على قنوات مفتوحة أكثر تأثيرًا من الدول التي ترفع الصوت. الأردن، بحكم موقعه وخبرته وتراكمه السياسي، تحول إلى نقطة ارتكاز هادئة في بيئة تميل إلى التطرف في المواقف. غير أن الوظائف الجيوسياسية، إن لم تُصَن وتُطوَر، قد تتآكل بصمت تحت ضغط الاستنزاف وتغيّر الأولويات الدولية.
غير أن هذا الدور التوازني لم يكن خيارًا مريحًا أو بلا كلفة. فالتوازن في زمن الانكسارات الكبرى سياسة مرهقة، تتطلب قدرة مستمرة على امتصاص الضغوط، وتحمل كلفة الصمت حين يكون الضجيج أسهل، والدفاع عن الموقف العقلاني في بيئة سياسية تميل إلى المزايدات والمواقف الحادة. الأردن دفع، وما يزال، أثمانًا اقتصادية واجتماعية نتيجة هذا النهج، لكنه في المقابل تجنب أثمانًا وجودية كانت ستفرض نفسها لو اختار طريقًا آخر أقل اتزانًا.
المعضلة اليوم لا تتعلق بسلامة هذا النهج، بل بسقفه. فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، والدور التوازني إذا لم يتطور قد يتحول من مصدر قوة إلى عبء صامت. إدارة الأزمات لم تعد كافية في عالم تتشكل فيه الوقائع بسرعة، وتُحسم فيه المواقع قبل أن تتضح النتائج. الاستمرار في السياسة نفسها دون تحديث أدواتها قد يضمن الاستقرار، لكنه لا يضمن التأثير.
الخطر الذي يواجه الأردن اليوم لا يتمثل في الانجرار إلى مغامرة غير محسوبة، بل في الاستقرار على دور غير مكتمل. فالدولة التي تُتقن إدارة التوازن قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، محاطة بتوقعات تفوق قدرتها على الاستجابة دون أن تُقابلها مكاسب واضحة. الاعتماد المفرط على السمعة السياسية، دون ترجمتها إلى نفوذ تفاوضي ملموس، يحمل في طياته خطر الاستنزاف الهادئ.

في عالم يعاد تشكيله بسرعة، لا يكفي أن تكون دولة موثوقة ، يجب أن تكون دولة ذات وزن محدد. التوازن إذا لم يُدعم بأدوات تأثير، قد يتحول من ميزة إلى عبء. وهنا تكمن لحظة القرار: إما الانتقال من إدارة الموقع إلى تثبيته، ومن الحضور الصامت إلى المبادرة المحسوبة، أو ترك الدور يتآكل تدريجيًا تحت ضغط المتغيرات، دون ضجيج، ولكن بكلفة استراتيجية عالية.
الأردن يقف اليوم أمام لحظة اختبار صامتة ولكنها حاسمة: هل يكتفي بدور “الدولة العاقلة” التي يُلجأ إليها عند الضرورة وتُهمّش عند تقاسم النفوذ؟ أم ينتقل إلى ترقية هذا الدور ليصبح فاعلًا توازنيًا يمتلك مبادرة، ورؤية واضحة، وحدود دقيقة لمصالحه؟ الفرق بين الخيارين لا يكمن في النوايا، بل في الأدوات والجرأة السياسية المحسوبة.
ترقية الدور لا تعني القفز في المجهول، ولا التخلي عن فلسفة التوازن التي أثبتت جدواها، بل تعني إعادة تعريفها. دبلوماسية أكثر استباقية، خطاب سياسي أوضح، استثمار أذكى في الرصيد المعنوي الذي بناه الأردن عبر عقود، وربط الاستقرار الداخلي بمشاريع تأثير إقليمي حقيقية لا رمزية. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرتها على تحويل الصمود إلى موقع.
في زمن الانكسارات الكبرى، تبحث القوى الدولية عن نقاط اتزان لا عن حلفاء صاخبين. والأردن يمتلك مقومات أن يكون إحدى هذه النقاط، شرط أن يُدرك أن التوازن ليس موقفًا ثابتًا، بل عملية ديناميكية تتطلب تحديثًا مستمرًا في الرؤية والأدوات. الصمت المدروس كان فضيلة في مراحل سابقة، لكنه قد يتحول إلى خسارة استراتيجية إذا لم يُرافقه حضور محسوب في لحظات إعادة التشكل.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التورط، بل في التراجع غير المقصود عن صناعة الدور. العالم لا ينتظر المترددين، والإقليم لا يرحم الفراغ. وفي لحظة تاريخية يُعاد فيها رسم النفوذ، فإن الدول التي لا تُعرف نفسها بوضوح، سيُعاد تعريفها من قبل الآخرين.
الأردن لا يحتاج إلى تغيير جلده السياسي، بل إلى تعميق منطقه الاستراتيجي. ما راكمه من ثقة، وما يمتلكه من خبرة، وما أظهره من قدرة على الصمود، كلها عناصر يمكن تحويلها إلى رافعة تأثير إذا ما أُحسن توظيفها. أما الاكتفاء بدور المتوازن، فقد يكون كافيًا للبقاء، لكنه غير كافٍ لصناعة المستقبل.
في زمن الانكسارات الكبرى، لا تنتصر الدول الأكثر ضجيجًا، بل الأكثر وعيًا بحدودها وإمكاناتها. والأردن، إذا أحسن قراءة اللحظة، قادر على أن يكون أكثر من مجرد دولة نجت من العاصفة؛ قادر على أن يكون عقل توازن في عالم فقد بوصلته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية