سعدالدين تكتب: ليبرالية الإمبريالية

{title}
أخبار الأردن -

 

 

نادية سعدالدين


تُقدم الحالة الفنزويلية مثالاً كاشفاً على الممارسة المُعاصرة لما يمكن تسميته بـ”ليبرالية الإمبريالية”، حيث تداخل الخطاب الليبرالي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد والجريمة، مع أدوات ضغط قسرية أعادت منطق الهيمنة التقليدي وإن بوسائل أقل مباشرة من الاحتلال العسكري، ولكنها تُخفي بين ثناياها أهدافاً استعمارية توسعية.
 

  ولا يخرج السلوك الأميركي تجاه فنزويلا، ورئيسها “نيكولاس مادورو”، المُستل لمبدأ “مونرو” عن الوجه القاتم “لليبرالية الإمبريالية”، باعتباره شكلاً جديداً من الاستعمار باسم الحرية وسيادة القانون، حينما يُسبغ مفاهيم السلام والعدالة والديمقراطية على نزعة العدوان والهيمنة والمعايير المزدوجة، ويمزج بصورة متناقضة بين مبادئ الليبرالية وأساليب الهيمنة الإمبريالية الاستعمارية، مثل التدخل العسكري واستخدام القوة أو النفوذ لتوسيع السيطرة على دول أو أراضٍ أخرى لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية وتكريس التبعية الاقتصادية، تماماً كما تفعل واشنطن مع حليفها الاستراتيجي الصهيوني ضد الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة.
  ومنذ نشأتها الفكرية في أوروبا الحديثة، تُقدم الليبرالية نفسها بوصفها فلسفة تحررية تدافع عن الحرية وتناهض الاستبداد وتؤمن بالسوق المفتوحة والتعددية السياسية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. غير أن هذا الخطاب المثالي سرعان ما يصطدم بواقع تاريخي وسياسي مغاير، حيث ارتبطت الليبرالية في لحظات حاسمة من تطورها بمشاريع الهيمنة الإمبريالية والتوسع الاستعماري، كما أن فرضها على الآخرين بالقوة يتعارض مع مبدأ عدم التدخل وسيادة الدول الذي تنافح لأجله، مما يُجسد مفهوم “ليبرالية الإمبريالية” بوصفه توصيفاً نقدياً للتناقض البنيوي بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.
  ولم تكن الليبرالية الكلاسيكية، كما صاغها فلاسفة مثل جون لوك وآدم سميث، بريئة تماماً من النزعة التوسعية. فبينما أكدت على الحرية وحق الملكية وسيادة القانون وحقوق الشعوب في تقرير المصير، فقد أغفلت سؤال العدالة الكونية، وحصرت مفاهيم الحرية والمواطنة ضمن الإطار القومي الغربي. هذا الاقصاء الضمني أتاح تبرير إخضاع الشعوب الأخرى بوصفها “غير ناضجة” سياسياً أو حضارياً، وبحاجة إلى وصاية خارجية تقودها نحو الحداثة.
  ومع صعود الإمبراطوريات الأوروبية في القرن التاسع عشر، تحولت الليبرالية من فلسفة سياسية إلى أداة خطابية تبرر التوسع الاستعماري. فقد رفعت شعارات “نشوء الحضارة” و”تحرير التجارة” وبناء المؤسسات لتغطية ممارسات نهب الموارد، وإخضاع الاقتصادات المحلية، وإعادة تشكيل المجتمعات وفق مصالح المركز الإمبراطوري، حيث لم تعد قيم الحرية قيمة كونية، بل امتيازاً يُمنح أو يُحجب وفق معايير القوة.
  أما في العالم المعاصر، فقد أعادت “ليبرالية الإمبريالية” إنتاج نفسها بأدوات جديدة، فالتدخلات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، غالباً ما تُقدم تحت عناوين الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث يتم توظيف الليبرالية كغطاء “أخلاقي” للإمبريالية الاستعمارية. غير أن النتائج الملموسة لهذه السياسات تكشف عن مفارقة صارخة: دول مدمرة، مجتمعات مفككة، وسيادات منقوصة، مقابل توسع نفوذ القوى الكبرى والشركات العابرة للقوميات.
  وبذلك؛ تكشف “ليبرالية الإمبريالية” عن أحد أعمق تناقضات الحداثة السياسية، حينما أضحت الفلسفة التي تدعي الدفاع عن الحرية شريكاً في الهيمنة الاستعمارية والتوسعية، وهي واحدة من الانتقادات المُوجهة للسياسة الأميركية إزاء دعمها المُطلق للكيان الصهيوني، وتبني “الصهيونية المسيحية” أو “المحافظون الجُدد” لنفس “الأساطير” الصهيونية حول “أرض الميعاد” و”الشعب المختار”، وجراء تدخلها في الشؤون الداخلية للنظام الإقليمي العربي بحجة ضمان الإلتزام بالقضاء على “العنف” وتحقيق الإصلاح والديمقراطية والإزدهار الاقتصادي تحت مزاعم أن أزمات المنطقة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تشكل بيئة حاضنة لنمو “التطرف” و”الإرهاب”، بينما تتجاهل التطرف الصهيوني وعنف المستوطنين المتصاعد ضد الشعب الفلسطيني.
إن تفكيك خطاب “ليبرالية الإمبريالية”، وسلوكها المُمنهج، يستدعي تحرير القيم الإنسانية الكونية من التوظيف الاستعماري التوسعي، وعدم استخدام الحرية كذريعة للسيطرة ومشاريع القوة والهيمنة، ولا الديمقراطية كواجهة للإمبريالية، بما قد يفتح المجال، ربما، أمام نظام عالمي أكثر عدالة وانتصاراً لحقوق الشعوب في تقرير المصير، خلافاً لصورته البائسة التي بدا عليها خلال حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة، وطمس فيها كل شعاراته الجوفاء. 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية