العايدي يكتب: إشكالية التعليم الديني (2): كيف يتشكل الانغلاق؟
د.محمد صبحي العايدي
لا يتشكل الانغلاق الديني حين يبتعد الناس عن الدين، بل حين يفهمونه بطريقة خاطئة، فالدين في جوهره أفق مفتوح على الحقيقة المطلقة، طريق لا نهاية له لأنه بمرتبط بمعرفة الله التي لا تتناهى، ومن توهم أنه وصل إلى غايتها فقد خرج عن الحقيقة، غير أن التعليم الديني المعاصر الذي تتبناه المذاهب والحركات الدينية، غالباً ما يحول هذا الأفق المفتوح إلى معان مغلقة، لتنتهي رحلة البحث المستمر عن الحقيقة اللامتناهية إلى أفهام صلبة، وهنا يبدأ الانغلاق، لا كخطأ في المدارس الفكرية والمذاهب المتنوعة، بل كبنية نفسية ومعرفية منكفئة على نفسها، تخاف أن تظهر الحقيقة على لسان الآخرين.
أول ما يصنع الانغلاق هو الخلط بين الوحي وفهمه، فالوحي حقيقة متجاوزة لا تنفد دلالاتها، ولا تستنفد معانيها بزمن أو قراءة أو فهم، بينما الاجتهادات البشرية تتشكل داخل شروط تاريخية وثقافية محددة، لكن التعليم الديني المعاصر في كثير من الأحيان يقلب المعادلة، فيجعل من الفهم البشري هو الوحي، والمدرسة الفقهية أو العقدية هي الحقيقة المطلقة، والمذهب هو الدين وليس وجهاً من وجوهه، ثم يضفي بعد ذلك القداسة على هذه الأفهام، بحيث يتحول الرأي والاجتهاد إلى يقين، والاختلاف مع الآخر إلى عداء، حينها لا تعود المدارس الفكرية الدينية طريقاً إلى الله، بل سياجاً يحرس الأفهام البشرية باسم الإله.
ومن هذا الخلط تولّد عندنا «وهم الاصطفاء»: وهو شعور خفي يَزرع في وعي المتعلم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن غيره يعيش خارجها، غير أن الحقيقة الإلهية في نفسها لا تملك ولا يحاط بها، لأنها أوسع من كل عقل، وأكبر من كل مدرسة، صحيح أنه يمكن للأفهام أن تقترب منها بدرجات متفاوتة، بأن تمتلك أدوات أعمق أو رؤى أوسع أو مناهج أضبط، لكنها لا تستحوذ على الحقيقة ذاتها، لأن امتلاكها يعني أن يصير المطلق شيئاً مقيداً، وحين لا يُعلّم هذا التواضع المعرفي، يتحول الدين إلى سبب للاستعلاء على الآخر، ويصبح المختلف عدواً لا شريكاً في البحث، ويتعزز هذا الوهم عندما تختلط الأصول بالفروع، والقطعي بالظني، فيطالب الناس بأن يؤمنوا بآراء كما لو كانت من جوهر الإيمان، ويحاكم الناس على تفاصيل في الفروع كما لو كانت أصولاً، هكذا ينتج التكفير من داخل المدارس والمذاهب الدينية، حيث يصبح الانغلاق بنية داخلية لا يتخيل معها أن يكون الآخر على حق، لا موقفاً خارجياً قد يتغير بالحوار.
ويكتمل المشهد حين تُختزل الأحكام في قائمة أوامر ونواه، يدرس الحرام والحلال ويقطع عن علله وعن مقاصده وغاياته الكبرى، فتفصل المقاصد عن معاني الحرية والكرامة والعمران، ويتحول الدين من مشروع حياة إلى جهاز رقابة وضبط للسلوك، ويفقد روحه وقدرته على أن يكون رحمة للعالمين، ثم تأتي بعد ذلك الظاهرية النصية، التي تتمسك بحرفية النص متجاهلة طبقاته الدلالية، ويتعامل مع النص بمكانيكية تجرده من الحياة، ومن معاني السمو والرقي المعرفي، فالنص الذي نزل ليواكب تحولات الإنسان يحبس في قراءة واحدة، وزمن واحد، وسياق واحد، فيشعر المكلف بأنه يمارس الشعائر بتكلف ومشقة لا بحب وارتياح، ومن هنا يمكن أن يبرر القمع والإرهاب بآية واحدة مجردة من سياقاتها التاريخية والإنسانية، وأن يشرعن الاضطهاد وخطاب الكراهية بحديث، لأن النص فصل عن روحه.
وهنا فإن تهميش البعد الروحي في التعامل مع النص الديني يورث فقراً في الفهم، وضعفاً في التعامل مع المتغيرات، ويقدم الدين بوصفه ظواهر وشعائر جامدة، لا مكان فيه للتجارب القلبية والمعاني الأخلاقية التي يسعى إليها الإنسان بفطرته قبل أن تُطلب منه، وتجد أن محبة الخلق بوصفهم مخلوقات لله، تمحى من النفوس والقلوب، بسبب الأفهام الجامدة، والقلوب الجافة، هكذا يصير التعليم الديني مصدراً للحكم على الخلق وعلى أفعالهم وسلوكهم، بدل أن يكون مصدراً للمحبة وإعذاراً للآخرين من غير بغض وكراهية، فكل تعليم ديني لا يُبقي الباب مفتوحاً بين الإنسان والحقيقة فهو تعليم مغلق، وكل تعليم يحتكر الجنة بدعوى امتلاك الحقيقة فهو تعليم مغلق، وكل تعليم يحول فيه الفهم إلى وحي فهو تعليم مغلق.

