الكشكي يكتب: اختبار القسوة
جمال الكشكي
في وداع نظام عالمي راحل نلقي نظرة أخيرة، نظرة وداع تبدأ من فنزويلا، وتمر بجزيرة جرينلاند، وتنتهي عند تخوم الدولة الفارسية، في لحظة حاسمة.
تقدم وثيقة دونالد ترامب للأمن القومي تصورا حادا لهذا الوداع، تصورا يقوم على أولوية القوة، كما تراها الولايات المتحدة، وعلى حقها في الفعل خارج أطر القانون الدولي متى تعارض مع تصورها الخاص للأمن والمصلحة.
الوثيقة لا تتعامل مع القانون الدولي كمرجعية ملزمة، تتعامل معه كأداة اختيارية، تصبح القوة المصدر الأول للشرعية، يتحول النجاح الميداني إلى أساس الحق، وتعاد صياغة السيادة وفق ميزان الهيمنة.
العالم في هذا التصور مجال مفتوح لإعادة الترتيب، والموارد عنوان الصراع، والجغرافيا قلب المعركة، والاقتصاد أداة ضغط مركزية.
هذه الرؤية لا تبقى حبرا على ورق، ويظهر التطبيق العملي لها بسرعة ووضوح على الأرض، وفنزويلا تقدم النموذج الصارخ، دولة تملك واحدا من أكبر احتياطيات النفط المؤكد عالميا، دولة جرى دفعها إلى حافة الانهيار الاقتصادي، تحاصر بالعقوبات، وانهيار العملة، وتغلق أمامها الأسواق، ويتم تفكيك سلاسل الإمداد الواصلة بينها وبين العالم، والمجتمع يدفع كلفة مباشرة.
في هذا السياق تتحول الثروة إلى عبء إستراتيجي ويصبح النفط سببا للاستهداف، ويتحول الاقتصاد إلى ساحة حرب معلنة، وتتراجع السياسة تتراجع أمام منطق الإخضاع.
جزيرة جرينلاند الدنماركية تظهر كحلقة مكملة في هذا المسار، أرض قليلة السكان، غنية بالمعادن النادرة، موقعها الجغرافي يمنحها قيمة إستراتيجية استثنائية.
تأتي الوثيقة الأميركية وتنظر إلى هذه المساحات بوصفها مخازن موارد مستقبلية، لا يرتبط هنا الاهتمام الأميركي بالتعاون، يرتبط بالاستحواذ، ويتجاوز الخطاب العلني الدبلوماسية التقليدية، وتبدو فكرة الشراء أو السيطرة حالة فريدة، تعكس تحولا عميقا في التفكير، تعاد فيها قراءة الجغرافيا بمنطق الشركات العابرة، وتصبح فكرة الدولة نفسها رقما في معادلة الموارد.
إيران تمثل الاختبار الأطول زمنا، دولة ذات عمق تاريخي وحضاري، تمتلك احتياطيات ضخمة من الطاقة، تواجه حصارا مركبا، اقتصاديا وسياسيا وتقنيا.
ومع ذلك لا تهدف الضغوط لا إلى تغيير سلوك محدود، إنما تهدف إلى إعادة تشكيل بنية الدولة، ويبدو الصراع هنا متعدد الطبقات، عقوبات، تهديدات، تفاوض، تصعيد، ثم عودة إلى نقطة الضغط.
هذه الدائرة تعكس جوهر الوثيقة، الضغط المستمر حتى الإنهاك، الاستنزاف بوصفه سياسة طويلة الأمد.
في هذا السياق يبرز مفهوم اقتصاد القوة وليس التبادل أو التعاون، اقتصاد يقوم على نزع القيمة قبل إنتاجها، وعلى السيطرة على الموارد قبل دخولها السوق، وعلى التحكم في طرق النقل، وفي الممرات البحرية، وفي العقود، وفي العملات.
وهنا أميركا، الدولة القوية، لا تنتظر قواعد التجارة، إنما تفرض شروطها، تحتكر مصادر الطاقة، و تتحكم في المعادن، وتعيد توجيه سلاسل التوريد.
هذا النمط يخلق اختلالا عميقا في الاستقرار العالمي، تفقد الأسواق الحياد، وبتحول الاستثمار يتحول إلى أداة سياسية، ويصبح الأمن الاقتصادي امتيازا للقلة.
أمام هذا المسار يجب ان تظهر قاعدة كونية صلبة، لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، فالضغط السياسي والاقتصادي يولد مقاومة، والإكراه يولد السعي للحماية، ومن ثم تدفع الهيمنة إلى البحث عن بدائل.
على دول الجنوب أن تبدأ في إعادة التفكير في نماذجها، بإعادة الكتل الإقليمية إلى الواجهة، ومن خلال توسيع الشراكات خارج المركز الاميركي، على أن يصبح التنويع الاقتصادي ضرورة وجودية، يتحول معه توطين المعرفة إلى سلاح دفاعي، ومن ثم يكتسب الاعتماد على الداخل معنى جديدا.
النظام العالمي الذي يتراجع هنا هو نظام تصور أن العقلانية الاقتصادية وحدها كافية، وتصور أن التقنية محايدة، وتصور أن السوق تنظم نفسها.
لحظة القسوة تكشف عن هشاشة هذا البناء، وتكشف أن القوة العارية ما تزال فاعلة، وأن القانون بلا حماية يتحول إلى نص أخلاقي أجوف، فحين تفقد المؤسسات الدولية وزنها تغيب الإرادة الجماعية.
الأمم التي ستبقى في هذا العالم ليست تلك التي تمتلك أكبر ترسانة، هي التي تمتلك مجتمعا متماسكا، اقتصادا منتجا، قدرة على الصبر الاستراتيجي، رؤية بعيدة وهذه الأمم تعيد تعريف جوهرها، باستقلال وانبثاق ذاتي، قادر على المناورة، وقادر على بناء توازن بين القوة والمعنى، وبين السوق والسيادة، وبين الانفتاح والحماية.
النبوءة هنا ليست غيبية، إنما نبوءة عملية، قابلة للتحقق، تقول إن المستقبل لن يكون لمن يملك الطاقة، وقد صارت عبئا، إنما سيكون المستقبل لمن يفهم لحظة التحول، ولمن يحول الضغط إلى دافع، ولمن يبني ببطء، ولمن يدير موارده بعقل بارد.
العالم يودع نظاما راحلا، ويدخل طور اختبار قاس، في هذا الطور تعاد كتابة خرائط النفوذ، وتعاد صياغة مفهوم القوة، وتعاد ولادة الأمم.

