التل يكتب : القرض الجديد المُقترح : فشل الفريق الاقتصادي يُدفع من جيوب الأردنيين
د.مصطفى التل
بعد سنوات من التقشف المرير الذي قُدم لنا على أنه الحل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد وتجنب المزيد من الديون، نكتشف أننا ندور في نفس الحلقة المفرغة.
الحكومة التي أقامت الدنيا على موازنتها التقشفية وادعت محاربة الاستدانة، تطلب اليوم قرضاً جديداً من البنك الدولي بقيمة 400 مليون دولار ,هذا التناقض ليس مجرد خطأ في التكتيك، بل هو إعلان عن فشل المنهج برمته.
لقد دفعنا ثمناً باهظاً , تقليص للوظائف العامة، تجميد للاستثمارالمباشر وانهائه ، ارتفاع متواصل في أسعار السلع الأساسية، ومعاناة يومية للعائلات الأردنية , كل ذلك تحت مبرر واحد: يجب ألا نستدين.
الأرقام تكشف قصة أخرى , فبينما كان الخطاب الرسمي يرفض الاستدانة، كانت الحكومة تقترض حوالي 3 مليارات دينار عبر السندات والأذونات , واليوم يأتي القرض الجديد ليكمل الصورة : وعود لم تتحقق، وثمن دفعناه جميعاً، ونتيجة واحدة: مزيد من الديون.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا لا تستقيل هذه الحكومة وفريقها الاقتصادي ؟! إذا كانت المسؤولية السياسية تعني الوفاء بالوعود أو تحمل العواقب، فأين نحن من هذا المبدأ؟! لقد فشلت في الوعود الكبرى: فشلت في تجنب الاستدانة، وفشلت في خفض البطالة، وفشلت في تحسين مستوى المعيشة , كل ما حققته هو المزيد من التقشف والمزيد من الديون , فما هو المبرر لاستمرارها؟!
الرواية الجديدة تتحدث عن برنامج "النمو والتنافسية" و"تمكين القطاع الخاص", سمعنا هذه العبارات من قبل , أين هي نتائجها على أرض الواقع؟! أين الوظائف التي كان من المفترض أن يخلقها القطاع الخاص؟! أين الانتعاش الاقتصادي الموعود؟! الواقع يشهد أننا نسمع خطاباً جديداً لكن النتيجة تبقى نفسها: ديون تتراكم وشعب يئن تحت وطأة الغلاء وندرة الفرص.
البنك الدولي يعلن أن البرنامج السابق حقق "تقدماً مرضياً", لكن السؤال: مرضياً لمن؟! هل هو مرضي للشاب الذي أنهى دراسته منذ سنوات وهو لا يزال يبحث عن أول وظيفة؟! هل هو مرضي للأسرة التي تعاني لتوفير أبسط ضروريات الحياة؟! .
يبدو أن هناك معيارين للنجاح: معيار في التقارير الدولية الفنية، ومعيار في شوارع وبيوت الأردن , الأول يقول إن الإجراءات نفذت، والثاني يسأل: وماذا بعد؟!
دخلنا في دوامة لا تنتهي , نعاني من البطالة والفقر، فنلجأ للقروض بحجة الإصلاح , تًشترط علينا إصلاحات تقشفية، فتتفاقم الأزمة الاجتماعية, نطلب قروضاً جديدة، ونعود إلى نقطة البداية , هذه ليست سياسة اقتصادية، هذه هي الدورة المغلقة للفشل.
كفانا وعوداً, كفانا خطابات عن "الرؤى" و"الخطط", المواطن الأردني يعيش الواقع كل يوم : ارتفاع الأسعار، صعوبة الحصول على فرصة عمل، وهموم متراكمة.
نطالب بمحاسبة حقيقية, إذا فشلت البرامج السابقة في تحقيق نتائج ملموسة في حياة الناس، فلماذا نستمر في نفس النهج؟! إذا عجز الفريق الاقتصادي عن الوفاء بوعوده رغم كل الصلاحيات، فلماذا يبقى في مكانه؟!
الاستقالة ليست هروباً، بل هي اعتراف بالمسؤولية , هي المبدأ الأساسي الذي يقول: مَن يفشل في مهمته، يفسح المجال لغيره, نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط أن يحقق مَن يتولى أمرنا ما يعد به، أو أن يتحمل نتيجة تقصيره.
كفى استدانة باسم الإصلاح. كفى تقشفاً بلا نتائج , كفى وعوداً تتبخر , الأردنيون يستحقون أكثر من دوامة الديون هذه.
يستحقون اقتصاداً يخلق فرص العمل، ويحسّن مستوى المعيشة، ويبني المستقبل دون إغراق الأجيال القادمة في الديون
. آن الأوان لمراجعة جذرية وصادقة، بعيداً عن الوصفات الجاهزة التي لم تنجح سوى في زيادة ديوننا ومعاناتنا.
السؤال يبقى معلقاً في الهواء، ويحتاج إلى إجابة شافية: بعد كل هذا الفشل على ارض الواقع الملموس ، لماذا لا تستقيل ؟!

