العتوم يكتب:الشارع يشتعل… وقاليباف يفتّش عن مخرج لعائلته
د.نبيل العتوم
من الشوارع المشتعلة بالهتافات إلى أروقة السفارات الأوروبية، يتكشف المشهد الإيراني على مستويين متوازيين: غضب علني في الساحات، وذعر صامت في قلب السلطة؛ فبينما تتوسع الاحتجاجات من مدينة إلى أخرى وتُجبر قوات الأمن في بعض المناطق على التراجع، تظهر في الكواليس مؤشرات أخطر بكثير مما يعكسه المشهد الميداني.
بحسب تقارير اعلامية غربية متطابقة، يسارع كبار مسؤولي النظام إلى تأمين تأشيرات أوروبية لعائلاتهم، خصوصًا نحو فرنسا وألمانيا، في خطوة تعكس انهيار الثقة بالمستقبل القريب. وهذا السلوك بالمناسبة ليس جديدًا في لحظات التحول الكبرى؛ فعندما يبدأ أهل الحكم بالبحث عن مخارج آمنة، يكون النظام قد دخل فعليًا مرحلة التفكك، حتى لو بدا متماسكًا في خطابه العلني.
وفي هذا السياق، تبرز معلومات عن سعي رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف لتأمين تأشيرة لعائلته، وهو اسم يُعد من صلب المنظومة الأمنية ـ السياسية للنظام، لا من هوامشها؛ ، فدلالة هذه الخطوة تتجاوز بعدها الشخصي؛ فهي تشير إلى أن القلق لم يعد محصورًا بالتيارات “الاصلاحية ” أو المحسوبة على البراغماتية، بل وصل إلى قلب التيار المحافظ الذي طالما قدّم نفسه كحارس للنظام في الأزمات. ويتقاطع ذلك مع ما يُتداول عن ترتيبات مشابهة تخص أشفاء الرئيس الأسبق حسن روحاني، ما يعكس إجماعًا غير معلن داخل النخبة على أن المرحلة المقبلة محفوفة بالمخاطر، بغضّ النظر عن الخلافات السياسية الظاهرة بينهم.
ما يجري في الشارع قد يبدو فوضويًا وغير محسوم، لكن ما يحدث داخل بنية الحكم أكثر وضوحًا: خوف يتسلل إلى القمة، انقسام في مراكز القرار، وشعور متزايد بأن أدوات السيطرة لم تعد كافية. فالسلطة التي تختلف أجنحتها في العلن، تتفق في الخفاء على أولوية واحدة: تأمين العائلة قبل أي شيء آخر.
من هنا قد تلجأ الدولة إلى القمع، وقد تنجح مؤقتًا في كبح الاحتجاجات، لكن المؤشر الأخطر ليس في عدد المتظاهرين ، ولا في شدة القبضة الأمنية، بل في حركة الحقائب خلف الأبواب المغلقة ، فمن الشارع إلى السفارات، تتكامل إشارات التفكك، وتتحول الأزمة من احتجاجات مطلبية إلى تصدّع عميق يضرب قلب النظام نفسه.

