الفاهوم يكتب: الجامعة تقود صناعة التحوّل حين تُغيّر السلوك وتبني الإنسان
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تنهض الجامعة، حين تعي رسالتها، ككائنٍ حيٍّ يتنفّس الوعي، لا كمبنى يوزّع الشهادات. تبدأ الحكاية فيها بفكرةٍ صغيرة، ثم تكبر حتى تصير سلوكًا، ثم تتحوّل، مع الزمن، إلى ثقافةٍ عامة تغيّر المجتمع بهدوءٍ يشبه فعل الماء في الصخر. ولا يتحقّق هذا التحوّل إلا حين تكتب الجامعة المؤثّرة نصّها التربوي بالحياة اليومية قبل الكتب، وحين تؤمن أن إصلاح الإنسان يسبق إصلاح المهنة، وأن تهذيب السلوك هو البوابة الأولى لأي نهضة حقيقية.
تنطلق الجامعات الرائدة من تحويل الفشل من عبءٍ نفسي إلى درسٍ وجودي. فتُعلّم الطالب كيف ينهض من عثرته، لا كيف يُخفيها. في جامعة هارفارد، يُعامَل الخطأ بوصفه لحظة كشف، لا لحظة إدانة. يُناقَش الفشل داخل القاعات كما تُناقَش النجاحات، فيتعلّم الطالب أن الاعتراف بداية الشفاء، وأن الانسحاب ليس خيارًا. هناك، يُعاد بناء السلوك السلبي عبر الإرشاد والحوار، لا عبر العقوبة، فيتحوّل التردّد إلى شجاعة، والكسل إلى فضولٍ منتج.
وفي تجربةٍ أخرى، تُعيد جامعة ستانفورد تشكيل الدافعية حين تزرع المعنى في قلب التعلّم. تربط المعرفة بمشكلات العالم الواقعي، فيشعر الطالب أن جهده يغيّر شيئًا خارج حدود ذاته. عندها، يذوب السلوك اللامبالي لأن الفراغ امتلأ، وتختفي العادات السلبية لأن العقل انشغل بما هو أسمى، ويغدو النشاط عادةً مكتسبة لا واجبًا مفروضًا. هنا، لا يُدان المختلف، بل يُستدعى إلى طاولة النقاش، فيتعلّم الإصغاء قبل الرد، والفهم قبل الحكم.
وعلى مسارٍ موازٍ، يعمل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على هندسة البيئة قبل تعديل السلوك. يصنع مساحات تعلّم مفتوحة، ويشجّع العمل الجماعي، فتتكوّن القيم من الممارسة لا من الوعظ. فيها، يتعلّم الطالب الانضباط من احترام الفريق، والمسؤولية من الالتزام بالمشروع، والنزاهة من شفافية التجربة. في هذا السياق، يتراجع السلوك المنحرف لأنه لا يجد مناخًا يحتضنه، وتتحوّل العادات الإيجابية إلى نمط حياة يومي متجذّر.
عربيًا، تتجلّى التجربة بعمقٍ إنساني في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث اختارت أن تكون جسرًا لا متراسًا. فتحت مساحات الحوار في زمن الاستقطاب، ودرّبت طلبتها على الاختلاف دون خصومة، وعلى الإيمان دون تعصّب، وعلى الحرية دون فوضى. هناك، يُعالَج الانحراف الفكري والسلوكي عبر توسيع الأفق الثقافي، فيغدو الطالب أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على التعايش مع الآخر دون أن يفقد ذاته أو يقايض قناعاته.
وتقدّم جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا نموذجًا لبيئةٍ حاضنة تُهذّب السلوك بصمت. يعيش التنوّع الثقافي فيها بوصفه قيمة يومية، لا شعارًا مؤقتًا. تُبنى العلاقات على الاحترام والمسؤولية، ويُقاس الأداء بالجودة لا بالانتماء. في هذا المناخ، يتحوّل الاختلاف إلى مصدر إبداع، ويذوب السلوك الشاذ لأنه لا يجد مبررًا ولا جمهورًا.
محليًا، تبدأ التحوّلات حين تخرج الجامعة من دور المراقب إلى دور الشريك الاجتماعي. أدّت الجامعات الأردنية دورًا فاعلًا حين حملت رسالتها، وصانت الفكر، ووجّهت السلوك بالنزول إلى الميدان والتفاعل مع المجتمع. فقد شهدت الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك مبادرات أعادت صياغة العلاقة بين الطالب والجامعة والمجتمع المحلي، عبر مراكز خدمة المجتمع والبرامج التشاركية. فُتحت مساحات للحوار، وتوسّعت برامج الخدمة المجتمعية، ونمت حاضنات الريادة، فتراجعت مظاهر العنف، وخفّ الاحتقان، وحلّ الشعور بالانتماء محلّ الاغتراب. هنا، لم يُعالَج السلوك المنحرف بالإقصاء، بل بالاحتواء الواعي، ولم يُواجَه الخطأ بالتشهير، بل بالفهم والمساءلة التربوية.
تُغيّر الجامعة السلوك الاجتماعي حين تفهم جذوره النفسية والاجتماعية، وحين تستثمر في الإرشاد، والفنون، والرياضة، والعمل التطوعي، بوصفها أدوات بناء لا أنشطة هامشية. تصنع الجامعة التحوّل حين تُشعر الطالب أنه مرئي، وأن صوته مسموع، وأن اختلافه قيمة مضافة. عندها، تتحوّل مساحات التباين إلى فرص نقاش، لا إلى ساحات صراع، ويغدو الإيمان أعمق لأنه نابع من اقتناع، لا من تلقين.
وتبلغ الجامعة ذروة معناها حين تنتقل من تخريج الناجحين إلى صناعة المتحوّلين. هناك، لا تُقاس القيمة بعدد الشهادات، بل بعدد العقول التي تغيّرت، والسلوكيات التي تهذّبت، والأثر الاجتماعي والاقتصادي الذي وُلد من رحم الوعي. هكذا تكتب الجامعة نصّها الأخير بحبر الإنسان، وتترك في المجتمع أثرًا يشبه الضوء؛ لا يفرض نفسه، لكنه يكشف الطريق.

