المعاقبة تكتب:سنُبدِع في التجاهل كما أبدعنا في الاهتمام... بيان النضج الأخير
د.ثروت المعاقبة
لايعد الصمتٍ بالعادة تجاهلًا لما يدور حولنا، وليس كل التفاتةٍ نحو الأشياء اهتمامًا، لم يكن الاهتمام يومًا فعلًا آنيا ولا عادة اجتماعية نتقنها بمحض الصدفة، بل كان قرارًا بكامل وعينا، واختيارًا أخلاقيًا، واستثمارًا وجدانيًا دفعنا ثمنه من وقتنا وحياتنا، فحين نهتم، نفعل ذلك بكامل جوارحنا... نُصغي دون أن نضجر، نُساند دون شروط أو تعقيدات، ونمنح المساحة لمن نحب ليكون كما هو لا كما نريد نحن....لم نكن نبحث عن مقابلٍ بقدر ما كنا نؤمن أن الإنسانية تُقاس بقدرتها على العطاء، ولكن التجربة حين تتراكم تعلّمنا ما لا تقوله النوايا الطيبة..... تعلّمنا أن بعض القلوب تُحسن الاستقبال ولا تُجيد الرد، وأن البعض يعتاد الضوء حتى يظنه حقًا مكتسبًا.... تعلّمنا أن الاهتمام إذا وُضع في المكان الخاطئ يتحوّل إلى استنزاف، ومن قيمة إلى عبءٍ صامت.
من هنا، وُلد التجاهل كثأرٍ متأخر، بل كإعلان نضج غير مسبوق حتى لو جاء متأخرا التجاهل الذي نتقنه اليوم ليس انكسارًا ولا هروبًا من المواجهة، بل مواجهة من نوعٍ آخر لا تُدار بالصوت المرتفع، ولا بالرسائل المبطّنة، ولا باستعراض الخيبة.... إنه انسحاب نظيف من مساحات لم تعد تضيف لنا شيئا، كما أنه إغلاق واعٍ لأبواب استُهلك خلفها الصبر حتى التآكل.
سنُبدِع في التجاهل لأننا تعلّمنا كيف نحمي ذواتنا دون أن نفقد إنسانيتنا، فنتجاهل حين ندرك أن التفسير تكرار، وأن العتاب صار بلا فائدة، وأن الإقناع المستمر دليل على خللٍ في الميزان..... نتجاهل لأن الصمت، في بعض اللحظات، أكثر احترامًا للذات من ألف محاولة فهم.
هذا التجاهل لا يُقصي المشاعر، بل يُعيد ترتيبها وتنظيمها، ولا يُطفئ القلب، بل يضبط إيقاعه ودقاته..... هو تقنين عاطفيّ ذكيّ يمنح بقدر ما نصادف في حياتنا، ونستثمر حين يوجد تقدير، وننسحب حين يُستغل الحضور.... نكفّ عن شرح أنفسنا لمن لا يسمع ولا يشعر، ونتوقف عن إثبات قيمتنا لمن لا يراها.
وفي هذا التحول، نكتشف حقيقة مُريحة جدا لأنفسنا ليس كل علاقة تستحق الإنقاذ، وليس كل خلاف يحتاج إلى حوارٍ إضافي. بعض الأبواب تُغلق لتفتح مسارات أنقى واكبر مساحة، وبعض الغياب يُنقذنا أكثر مما يفعل البقاء.... النضج هنا ليس قسوة، بل عدالة مع الذات.
سنُبدِع في التجاهل كما أبدعنا في الاهتمام؛ نختار المسافة المناسبة، ونُحسن توقيت الانسحاب، ونُتقن فنّ “اللا شيء” حين يكون كل شيء زائدًا...... نترك الضجيج لأصحابه، ونحتفظ بالهدوء لأنفسنا ولأعماقنا، ونعرف متى نكون حاضرِين، ومتى يكون الغياب هو الرسالة الأوضح.
وفي نهاية المطاف، لا نغلق القلوب، بل نُنقّيها..... لا نُطفئ الشغف، بل نوجّهه نحو من يستحق.... ومن لم يفهم قيمة حضورنا، سيتعلّم معنى غيابنا. فالتجاهل الناضج ليس انتقامًا، بل كرامة تمشي بثبات، وتختار السلام طريقًا.

